مقدمة في الإدارة التربوية

اهتمت التجمعات البشرية منذ نشأتها بإدارة مختلف مواردها فمن أسباب التطور في تاريخ الشعوب دور الإدارة في تحقيق الكثير من التقدم وإنجاز المشروعات الحضارية، فهي ضرورة حتميّة في كل الأزمنة لمختلف أنواع المجتمعات مهما تنوعت ظروفها وتداخلت مصالحها وذلك من أجل تطوير خدماتها ورفع مستوى كفاءات الفئات التي تشكلت منها هذه المجتمعات إذ انصرفت منذ وجدت على الأرض، ومن ضمن صورة إدارتها الأولى، إلى العمل لنقل مفاهيمها وتقاليدها وسلوكها إلى الناشئة من أبنائها، وقد تطور المفهوم العام للإدارة عبر العصور المتتابعة تبعاً لتطور أنماط حياة الناس وتطور حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية حتى عرفت الإدارة بتنظيم وترتيب المجتمعات بما يحقق أ هدافها المحددة المرجوة فغدت علماً له نظرياته الخاصة ومفاهيمه ومقوماته كأي علم آخر.

 

 

 

 

 

إن نظرة سريعة نلقيها على تاريخ تطور النظريات الإدارية تعطينا فكرة وافية عن تربع علم الإدارة على عرش نجاحات المشاريع والمؤسسات التي نشأت وتعاظم دورها العلمي والاقتصادي لأول مرة في تاريخ الإنسان منذ أوائل القرن العشرين. فبعد ظهور التنظيمات المؤسساتية الهامة مع الثورة الصناعية إلى جانب بناء المصانع الكبيرة تسارعت الحاجة الماسة إلى بناء الهيكليات التنظيمية الكبيرة والجديدة واستثمار الجهود بعد تنظيمها تنسيقها بقصد تفعيل العملية الإنتاجية للوصول إلى افضل النتائج بأقل جهد ممكن وبأسرع وقت، فباتت الإدارة والحالة هذه من أهم أدوات تطوير المجتمع.
ومع حلول النصف الثاني من القرن العشرين تطور مفهوم الإدارة مع المستجدات العلمية والتقنية فأصبحت العمود الفقري لنجاح أي نوع من أنواع المؤسسات بعد أن سميّت الحقبة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية "بالثورة الإدارية" التي اتجهت نحو اعتماد تكنولوجيا المعلومات أساساً في أي تقدم.

دخلت مبادئ علم الإدارة في مفهوم المجهود الإنساني فكانت أشبه بثورة فكرية شملت القياديين والعمال في أدائهم المهني والوظيفي تجاه بعضهم البعض وتجاه الإدارة، وكان للنجاح الذي حققته هذه المبادئ في القطاع الخاص التأثير الأكبر على القطاع العام بما عرف بعلم الإدارة العامة كما لوحظ تأثيرها على مختلف أنظمة التعليم في اكثر من دولة وخاصة في مجتمعات الدول الصناعية التي اعتبرت أنظمتها التعليمية رائدة في حينه، وقد شبّه مؤيدو الإدارة العلمية المدرسة بالمصنع، والمتعلمين بالمواد الخام، اذ ينتمي المتعلّمون إلى العملية التربوية بما يتطابق وطموحات المجتمع، فكان من واجب النظام التعليمي تحسين ظروف التعليم، وإعداد المعلمين وتطويرهم، وتأمين النفقات اللازمة وتفعيل العلاقة مع المجتمع الأهلي.

وإذا كان علم الإدارة أساسا في أي تقدم لأنه العلم الذي يوظف الموارد المتاحة ويستخدمها بكفاءة عالية لتحقيق الأهداف فإن علم الإدارة التربوية يعتبر محوراً لهذا الأساس، وذلك بسبب موقعه وارتباطه بتحضير وتعليم اندر موارد التنمية الشاملة لمتعلمي اليوم وجيل المستقبل إذ إنه يعمل على النمو الشامل والمتكامل للمتعلم ويحضره تربوياً وعقلياً واجتماعياً لمواجهة عالم مستقبليّ متغير ومتطور.

هذا وتقوم رابطة قوية بين نوع التربية الذي تقرره المجتمعات من جهة ونظام التعليم الذي يطبّق هذه التربية ويترجمها بالتنفيذ والإشراف والمراقبة من جهة أخرى، وبمعنى آخر تطوير وتنمية العملية التعليمية وتحسينها. وتعد التربية هنا أساساً في تكوين القدرات البشرية والبعد الهام في الاتجاه السليم نحو التنمية الشاملة، وهي في مقدمة أولويات الدولة وتنسجم مع متطلبات الآفاق الوطنية.

إن الإدارة التربوية وإن كانت تمثل المستويات الإدارية العليا، فهي تشارك برسم السياسة التربوية المستمدة من فلسفة الدولة وطموحاتها، فتتم ترجمة استراتيجية الدولة التربوية الى خطط وبرامج تشمل كامل النظام التربوي بحيث يشارك في تنفيذها مستويات مختلفة، منها إدارات ومؤسسات ولجان ومجالس تدير هذا النظام الذي يربط النظام المجتمعي العام بالمؤسسات التربوية، التي تتم فيها عمليات التربية في مستوياتها المختلفة، وكل هذا النشاط والأداء ضمن تاريخ المجتمع وثقافته وحضارته وتطلعاته المستقبلية. انها من أهم قطاعات التنظيم الإداري العام وسبب من أسباب التطور والتقدم، وقد اكتسبت أهميتها الخاصة لارتباطها الوثيق والدائم بالأوجه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا المجتمع.

إلى جانب كل ذلك، ساهمت الإدارة التربوية باقتراح القوانين والقرارات والخطط التي تحقق الأهداف الاستراتيجية للعملية التربوية بتزويد الإدارات التعليمية بالموارد البشرية والمادية، وتشجيع الدراسات والمؤتمرات والأبحاث الهادفة للإصلاح والتطوير التربوي، وتحديث المناهج الدراسية والوسائل والتجهيزات المدرسية، واستدراك طرائق التعليم المناسبة، التي أدت إلى إعادة النظر في الهيكليات والتنظيمات الإدارية التربوية، بالإشراف التربوي وتنفيذ البرامج التعليمية في كل جوانب المستوى الإجرائي التطبيقي أي في المدارس، وهي أهم وحدات هيكلية النظام التعليمي حيث نتمكن من مراقبة مدى نجاح الإدارة التربوية في تفعيل هذا النظام من الناحيتين الكمية والنوعية وفي حسن تربية الناشئة، وكل ذلك لزيادة قدرات الإدارة العامة في مواكبة التغيرات والتكيف مع الموارد المتاحة لتحقيق أهداف التنمية الشاملة والدائمة التي نتمناها لمجتمع الغد.

ما يمكن الإشارة إليه هو أن محاولات الإصلاح يجب أن تحقق الهدف الأساسي للتنمية وهو إعداد العنصر البشري في المؤسسة التربوية التي يلتحق بها وبالتالي تطوير الكوادر والقيادات التربوية التي تؤسس وتعمل وفق الحاجات والأهداف التربوية. تتجه جهود الإصلاح والتطوير نحو إعداد وتدريب المعلّمين والإداريين بما يتلاءم ومسؤولياتهم عن فعالية التنظيمات المدرسية وكونهم العامل المؤثّر في نجاح الإنجاز التعلّميّ ؛ ولنحصل على نوعية جيدة لعمل المعلم لا خوف من تعزيز ثقافة التقييم الذاتي عند الهيئات التعليمية بمختلف مستوياتها بحيث يشمل المؤهلات والأداء والإدارة الصفيّة ممّا يعطي وعياً أكثر للحالة المهنيّة. إنّ محاولات الإصلاح هذه يجب أن تسعى إلى تحديث القواعد والتشريعات التربوية والمناهج وطرائق التعليم لتكون اكثر ملاءمة لمستلزمات التنمية.

بعد أن عرفت الإدارة التربوية بداياتها الأولى مع تعدد نظرياتها تبقى لها أخيراً عناوينها الكبرى التي تعالج تطبيقاتها على مستوى الإدارة المدرسية حيث تستمر جهود الاصلاح والتطوير في التربية والتعليم فتتناول مجمل عناصر المؤسسة التربوية (مورفي ١٩٩٠، Murphy 1990) فتبرز أهمية المتعلمين المطلقة وتُبحث طرائق إعداد وتدريب المعلمين والاداريين وتأهيلهم وتُقيّمَ المناهج من أجل تطويرها وكل ذلك ضمن إطار عملية تعلميّة ناجحة تعتمد التقنيات الحديثة في التعليم فتؤمّن الوسائل والتجهيزات والمختبرات وأجهزة المعلوماتية المتطورة ضمن البناء المدرسي المُفترض أن يكون مرفقاً تربوياً في مبانيه وموقعه وخدماته وصيانته.
تعمل هذه العناصر وتتطور ضمن إطارها القانوني في نظم الإدارة العامة والتربوية التي تتحدد مع السياسة العامة الرسمية وتوزيع المسؤوليات والمهام وفقاً للمركزية التربوية وتنظيماتها في الرقابة والإرشاد والتوجيه.

المركز التربوي للبحوث والانماء
معاون اخصائي الادارة التربوية
مصطفى كنعان

 

مقدمة في الإدارة التربوية

اهتمت التجمعات البشرية منذ نشأتها بإدارة مختلف مواردها فمن أسباب التطور في تاريخ الشعوب دور الإدارة في تحقيق الكثير من التقدم وإنجاز المشروعات الحضارية، فهي ضرورة حتميّة في كل الأزمنة لمختلف أنواع المجتمعات مهما تنوعت ظروفها وتداخلت مصالحها وذلك من أجل تطوير خدماتها ورفع مستوى كفاءات الفئات التي تشكلت منها هذه المجتمعات إذ انصرفت منذ وجدت على الأرض، ومن ضمن صورة إدارتها الأولى، إلى العمل لنقل مفاهيمها وتقاليدها وسلوكها إلى الناشئة من أبنائها، وقد تطور المفهوم العام للإدارة عبر العصور المتتابعة تبعاً لتطور أنماط حياة الناس وتطور حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية حتى عرفت الإدارة بتنظيم وترتيب المجتمعات بما يحقق أ هدافها المحددة المرجوة فغدت علماً له نظرياته الخاصة ومفاهيمه ومقوماته كأي علم آخر.

 

 

 

 

 

إن نظرة سريعة نلقيها على تاريخ تطور النظريات الإدارية تعطينا فكرة وافية عن تربع علم الإدارة على عرش نجاحات المشاريع والمؤسسات التي نشأت وتعاظم دورها العلمي والاقتصادي لأول مرة في تاريخ الإنسان منذ أوائل القرن العشرين. فبعد ظهور التنظيمات المؤسساتية الهامة مع الثورة الصناعية إلى جانب بناء المصانع الكبيرة تسارعت الحاجة الماسة إلى بناء الهيكليات التنظيمية الكبيرة والجديدة واستثمار الجهود بعد تنظيمها تنسيقها بقصد تفعيل العملية الإنتاجية للوصول إلى افضل النتائج بأقل جهد ممكن وبأسرع وقت، فباتت الإدارة والحالة هذه من أهم أدوات تطوير المجتمع.
ومع حلول النصف الثاني من القرن العشرين تطور مفهوم الإدارة مع المستجدات العلمية والتقنية فأصبحت العمود الفقري لنجاح أي نوع من أنواع المؤسسات بعد أن سميّت الحقبة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية "بالثورة الإدارية" التي اتجهت نحو اعتماد تكنولوجيا المعلومات أساساً في أي تقدم.

دخلت مبادئ علم الإدارة في مفهوم المجهود الإنساني فكانت أشبه بثورة فكرية شملت القياديين والعمال في أدائهم المهني والوظيفي تجاه بعضهم البعض وتجاه الإدارة، وكان للنجاح الذي حققته هذه المبادئ في القطاع الخاص التأثير الأكبر على القطاع العام بما عرف بعلم الإدارة العامة كما لوحظ تأثيرها على مختلف أنظمة التعليم في اكثر من دولة وخاصة في مجتمعات الدول الصناعية التي اعتبرت أنظمتها التعليمية رائدة في حينه، وقد شبّه مؤيدو الإدارة العلمية المدرسة بالمصنع، والمتعلمين بالمواد الخام، اذ ينتمي المتعلّمون إلى العملية التربوية بما يتطابق وطموحات المجتمع، فكان من واجب النظام التعليمي تحسين ظروف التعليم، وإعداد المعلمين وتطويرهم، وتأمين النفقات اللازمة وتفعيل العلاقة مع المجتمع الأهلي.

وإذا كان علم الإدارة أساسا في أي تقدم لأنه العلم الذي يوظف الموارد المتاحة ويستخدمها بكفاءة عالية لتحقيق الأهداف فإن علم الإدارة التربوية يعتبر محوراً لهذا الأساس، وذلك بسبب موقعه وارتباطه بتحضير وتعليم اندر موارد التنمية الشاملة لمتعلمي اليوم وجيل المستقبل إذ إنه يعمل على النمو الشامل والمتكامل للمتعلم ويحضره تربوياً وعقلياً واجتماعياً لمواجهة عالم مستقبليّ متغير ومتطور.

هذا وتقوم رابطة قوية بين نوع التربية الذي تقرره المجتمعات من جهة ونظام التعليم الذي يطبّق هذه التربية ويترجمها بالتنفيذ والإشراف والمراقبة من جهة أخرى، وبمعنى آخر تطوير وتنمية العملية التعليمية وتحسينها. وتعد التربية هنا أساساً في تكوين القدرات البشرية والبعد الهام في الاتجاه السليم نحو التنمية الشاملة، وهي في مقدمة أولويات الدولة وتنسجم مع متطلبات الآفاق الوطنية.

إن الإدارة التربوية وإن كانت تمثل المستويات الإدارية العليا، فهي تشارك برسم السياسة التربوية المستمدة من فلسفة الدولة وطموحاتها، فتتم ترجمة استراتيجية الدولة التربوية الى خطط وبرامج تشمل كامل النظام التربوي بحيث يشارك في تنفيذها مستويات مختلفة، منها إدارات ومؤسسات ولجان ومجالس تدير هذا النظام الذي يربط النظام المجتمعي العام بالمؤسسات التربوية، التي تتم فيها عمليات التربية في مستوياتها المختلفة، وكل هذا النشاط والأداء ضمن تاريخ المجتمع وثقافته وحضارته وتطلعاته المستقبلية. انها من أهم قطاعات التنظيم الإداري العام وسبب من أسباب التطور والتقدم، وقد اكتسبت أهميتها الخاصة لارتباطها الوثيق والدائم بالأوجه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا المجتمع.

إلى جانب كل ذلك، ساهمت الإدارة التربوية باقتراح القوانين والقرارات والخطط التي تحقق الأهداف الاستراتيجية للعملية التربوية بتزويد الإدارات التعليمية بالموارد البشرية والمادية، وتشجيع الدراسات والمؤتمرات والأبحاث الهادفة للإصلاح والتطوير التربوي، وتحديث المناهج الدراسية والوسائل والتجهيزات المدرسية، واستدراك طرائق التعليم المناسبة، التي أدت إلى إعادة النظر في الهيكليات والتنظيمات الإدارية التربوية، بالإشراف التربوي وتنفيذ البرامج التعليمية في كل جوانب المستوى الإجرائي التطبيقي أي في المدارس، وهي أهم وحدات هيكلية النظام التعليمي حيث نتمكن من مراقبة مدى نجاح الإدارة التربوية في تفعيل هذا النظام من الناحيتين الكمية والنوعية وفي حسن تربية الناشئة، وكل ذلك لزيادة قدرات الإدارة العامة في مواكبة التغيرات والتكيف مع الموارد المتاحة لتحقيق أهداف التنمية الشاملة والدائمة التي نتمناها لمجتمع الغد.

ما يمكن الإشارة إليه هو أن محاولات الإصلاح يجب أن تحقق الهدف الأساسي للتنمية وهو إعداد العنصر البشري في المؤسسة التربوية التي يلتحق بها وبالتالي تطوير الكوادر والقيادات التربوية التي تؤسس وتعمل وفق الحاجات والأهداف التربوية. تتجه جهود الإصلاح والتطوير نحو إعداد وتدريب المعلّمين والإداريين بما يتلاءم ومسؤولياتهم عن فعالية التنظيمات المدرسية وكونهم العامل المؤثّر في نجاح الإنجاز التعلّميّ ؛ ولنحصل على نوعية جيدة لعمل المعلم لا خوف من تعزيز ثقافة التقييم الذاتي عند الهيئات التعليمية بمختلف مستوياتها بحيث يشمل المؤهلات والأداء والإدارة الصفيّة ممّا يعطي وعياً أكثر للحالة المهنيّة. إنّ محاولات الإصلاح هذه يجب أن تسعى إلى تحديث القواعد والتشريعات التربوية والمناهج وطرائق التعليم لتكون اكثر ملاءمة لمستلزمات التنمية.

بعد أن عرفت الإدارة التربوية بداياتها الأولى مع تعدد نظرياتها تبقى لها أخيراً عناوينها الكبرى التي تعالج تطبيقاتها على مستوى الإدارة المدرسية حيث تستمر جهود الاصلاح والتطوير في التربية والتعليم فتتناول مجمل عناصر المؤسسة التربوية (مورفي ١٩٩٠، Murphy 1990) فتبرز أهمية المتعلمين المطلقة وتُبحث طرائق إعداد وتدريب المعلمين والاداريين وتأهيلهم وتُقيّمَ المناهج من أجل تطويرها وكل ذلك ضمن إطار عملية تعلميّة ناجحة تعتمد التقنيات الحديثة في التعليم فتؤمّن الوسائل والتجهيزات والمختبرات وأجهزة المعلوماتية المتطورة ضمن البناء المدرسي المُفترض أن يكون مرفقاً تربوياً في مبانيه وموقعه وخدماته وصيانته.
تعمل هذه العناصر وتتطور ضمن إطارها القانوني في نظم الإدارة العامة والتربوية التي تتحدد مع السياسة العامة الرسمية وتوزيع المسؤوليات والمهام وفقاً للمركزية التربوية وتنظيماتها في الرقابة والإرشاد والتوجيه.

المركز التربوي للبحوث والانماء
معاون اخصائي الادارة التربوية
مصطفى كنعان

 

مقدمة في الإدارة التربوية

اهتمت التجمعات البشرية منذ نشأتها بإدارة مختلف مواردها فمن أسباب التطور في تاريخ الشعوب دور الإدارة في تحقيق الكثير من التقدم وإنجاز المشروعات الحضارية، فهي ضرورة حتميّة في كل الأزمنة لمختلف أنواع المجتمعات مهما تنوعت ظروفها وتداخلت مصالحها وذلك من أجل تطوير خدماتها ورفع مستوى كفاءات الفئات التي تشكلت منها هذه المجتمعات إذ انصرفت منذ وجدت على الأرض، ومن ضمن صورة إدارتها الأولى، إلى العمل لنقل مفاهيمها وتقاليدها وسلوكها إلى الناشئة من أبنائها، وقد تطور المفهوم العام للإدارة عبر العصور المتتابعة تبعاً لتطور أنماط حياة الناس وتطور حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية حتى عرفت الإدارة بتنظيم وترتيب المجتمعات بما يحقق أ هدافها المحددة المرجوة فغدت علماً له نظرياته الخاصة ومفاهيمه ومقوماته كأي علم آخر.

 

 

 

 

 

إن نظرة سريعة نلقيها على تاريخ تطور النظريات الإدارية تعطينا فكرة وافية عن تربع علم الإدارة على عرش نجاحات المشاريع والمؤسسات التي نشأت وتعاظم دورها العلمي والاقتصادي لأول مرة في تاريخ الإنسان منذ أوائل القرن العشرين. فبعد ظهور التنظيمات المؤسساتية الهامة مع الثورة الصناعية إلى جانب بناء المصانع الكبيرة تسارعت الحاجة الماسة إلى بناء الهيكليات التنظيمية الكبيرة والجديدة واستثمار الجهود بعد تنظيمها تنسيقها بقصد تفعيل العملية الإنتاجية للوصول إلى افضل النتائج بأقل جهد ممكن وبأسرع وقت، فباتت الإدارة والحالة هذه من أهم أدوات تطوير المجتمع.
ومع حلول النصف الثاني من القرن العشرين تطور مفهوم الإدارة مع المستجدات العلمية والتقنية فأصبحت العمود الفقري لنجاح أي نوع من أنواع المؤسسات بعد أن سميّت الحقبة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية "بالثورة الإدارية" التي اتجهت نحو اعتماد تكنولوجيا المعلومات أساساً في أي تقدم.

دخلت مبادئ علم الإدارة في مفهوم المجهود الإنساني فكانت أشبه بثورة فكرية شملت القياديين والعمال في أدائهم المهني والوظيفي تجاه بعضهم البعض وتجاه الإدارة، وكان للنجاح الذي حققته هذه المبادئ في القطاع الخاص التأثير الأكبر على القطاع العام بما عرف بعلم الإدارة العامة كما لوحظ تأثيرها على مختلف أنظمة التعليم في اكثر من دولة وخاصة في مجتمعات الدول الصناعية التي اعتبرت أنظمتها التعليمية رائدة في حينه، وقد شبّه مؤيدو الإدارة العلمية المدرسة بالمصنع، والمتعلمين بالمواد الخام، اذ ينتمي المتعلّمون إلى العملية التربوية بما يتطابق وطموحات المجتمع، فكان من واجب النظام التعليمي تحسين ظروف التعليم، وإعداد المعلمين وتطويرهم، وتأمين النفقات اللازمة وتفعيل العلاقة مع المجتمع الأهلي.

وإذا كان علم الإدارة أساسا في أي تقدم لأنه العلم الذي يوظف الموارد المتاحة ويستخدمها بكفاءة عالية لتحقيق الأهداف فإن علم الإدارة التربوية يعتبر محوراً لهذا الأساس، وذلك بسبب موقعه وارتباطه بتحضير وتعليم اندر موارد التنمية الشاملة لمتعلمي اليوم وجيل المستقبل إذ إنه يعمل على النمو الشامل والمتكامل للمتعلم ويحضره تربوياً وعقلياً واجتماعياً لمواجهة عالم مستقبليّ متغير ومتطور.

هذا وتقوم رابطة قوية بين نوع التربية الذي تقرره المجتمعات من جهة ونظام التعليم الذي يطبّق هذه التربية ويترجمها بالتنفيذ والإشراف والمراقبة من جهة أخرى، وبمعنى آخر تطوير وتنمية العملية التعليمية وتحسينها. وتعد التربية هنا أساساً في تكوين القدرات البشرية والبعد الهام في الاتجاه السليم نحو التنمية الشاملة، وهي في مقدمة أولويات الدولة وتنسجم مع متطلبات الآفاق الوطنية.

إن الإدارة التربوية وإن كانت تمثل المستويات الإدارية العليا، فهي تشارك برسم السياسة التربوية المستمدة من فلسفة الدولة وطموحاتها، فتتم ترجمة استراتيجية الدولة التربوية الى خطط وبرامج تشمل كامل النظام التربوي بحيث يشارك في تنفيذها مستويات مختلفة، منها إدارات ومؤسسات ولجان ومجالس تدير هذا النظام الذي يربط النظام المجتمعي العام بالمؤسسات التربوية، التي تتم فيها عمليات التربية في مستوياتها المختلفة، وكل هذا النشاط والأداء ضمن تاريخ المجتمع وثقافته وحضارته وتطلعاته المستقبلية. انها من أهم قطاعات التنظيم الإداري العام وسبب من أسباب التطور والتقدم، وقد اكتسبت أهميتها الخاصة لارتباطها الوثيق والدائم بالأوجه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا المجتمع.

إلى جانب كل ذلك، ساهمت الإدارة التربوية باقتراح القوانين والقرارات والخطط التي تحقق الأهداف الاستراتيجية للعملية التربوية بتزويد الإدارات التعليمية بالموارد البشرية والمادية، وتشجيع الدراسات والمؤتمرات والأبحاث الهادفة للإصلاح والتطوير التربوي، وتحديث المناهج الدراسية والوسائل والتجهيزات المدرسية، واستدراك طرائق التعليم المناسبة، التي أدت إلى إعادة النظر في الهيكليات والتنظيمات الإدارية التربوية، بالإشراف التربوي وتنفيذ البرامج التعليمية في كل جوانب المستوى الإجرائي التطبيقي أي في المدارس، وهي أهم وحدات هيكلية النظام التعليمي حيث نتمكن من مراقبة مدى نجاح الإدارة التربوية في تفعيل هذا النظام من الناحيتين الكمية والنوعية وفي حسن تربية الناشئة، وكل ذلك لزيادة قدرات الإدارة العامة في مواكبة التغيرات والتكيف مع الموارد المتاحة لتحقيق أهداف التنمية الشاملة والدائمة التي نتمناها لمجتمع الغد.

ما يمكن الإشارة إليه هو أن محاولات الإصلاح يجب أن تحقق الهدف الأساسي للتنمية وهو إعداد العنصر البشري في المؤسسة التربوية التي يلتحق بها وبالتالي تطوير الكوادر والقيادات التربوية التي تؤسس وتعمل وفق الحاجات والأهداف التربوية. تتجه جهود الإصلاح والتطوير نحو إعداد وتدريب المعلّمين والإداريين بما يتلاءم ومسؤولياتهم عن فعالية التنظيمات المدرسية وكونهم العامل المؤثّر في نجاح الإنجاز التعلّميّ ؛ ولنحصل على نوعية جيدة لعمل المعلم لا خوف من تعزيز ثقافة التقييم الذاتي عند الهيئات التعليمية بمختلف مستوياتها بحيث يشمل المؤهلات والأداء والإدارة الصفيّة ممّا يعطي وعياً أكثر للحالة المهنيّة. إنّ محاولات الإصلاح هذه يجب أن تسعى إلى تحديث القواعد والتشريعات التربوية والمناهج وطرائق التعليم لتكون اكثر ملاءمة لمستلزمات التنمية.

بعد أن عرفت الإدارة التربوية بداياتها الأولى مع تعدد نظرياتها تبقى لها أخيراً عناوينها الكبرى التي تعالج تطبيقاتها على مستوى الإدارة المدرسية حيث تستمر جهود الاصلاح والتطوير في التربية والتعليم فتتناول مجمل عناصر المؤسسة التربوية (مورفي ١٩٩٠، Murphy 1990) فتبرز أهمية المتعلمين المطلقة وتُبحث طرائق إعداد وتدريب المعلمين والاداريين وتأهيلهم وتُقيّمَ المناهج من أجل تطويرها وكل ذلك ضمن إطار عملية تعلميّة ناجحة تعتمد التقنيات الحديثة في التعليم فتؤمّن الوسائل والتجهيزات والمختبرات وأجهزة المعلوماتية المتطورة ضمن البناء المدرسي المُفترض أن يكون مرفقاً تربوياً في مبانيه وموقعه وخدماته وصيانته.
تعمل هذه العناصر وتتطور ضمن إطارها القانوني في نظم الإدارة العامة والتربوية التي تتحدد مع السياسة العامة الرسمية وتوزيع المسؤوليات والمهام وفقاً للمركزية التربوية وتنظيماتها في الرقابة والإرشاد والتوجيه.

المركز التربوي للبحوث والانماء
معاون اخصائي الادارة التربوية
مصطفى كنعان