الفشل المدرسي: مسؤولية من؟

الفشل المدرسي ظاهرة تربوية تنتشر في أوساطنا التعليمية، فتترك بصماتها المؤلمة على المجتمع بشكل عام، لما تسبّبه من هدر في طاقات أبنائه. فهي بالإضافة إلى كونها تمتصّ جزءاً هاماً من الموازنة القومية، تشكّل حاجزاً غير مباشر يعرقل التقدّم الاجتماعي والاقتصادي، وعلى الأفراد المشتركين في العملية التعليمية من إدارة ومعلّمِين وتلامذة وأهل لما لها من نتائج على القرارات التي يتّخذها كل منهم نتيجة تقييمه لأسباب ذلك الفشل ودوره فيه.

 

 

 

 

وغني عن القول انه مهما تعدّدت مصادر المعرفة وتنوّعت الوسائل التعليمية يبقى المعلم والأهل من ركائز العملية التربوية والعنصر الحاسم في نجاحها او فشلها.
من هنا كان التركيز على تحديد مسؤولية المعلم والأهل في الفشل المدرسي، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى كافة.
وهذا يقتضي:
أولاً: التعريف بالتربية ودور الأهل والمعلم فيها.
ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدّية إليه.
ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي.
رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.

 

أولاً: تعريف التربية ودور الأهل والمعلم فيها.
إن التربية بمفهومها الحديث هي عملية تنمية شاملة ومتكاملة لشخصية الإنسان بأبعادها المعرفية (اكتساب معلومات ومعارف وطريقة تفكير) والعاطفية (اكتساب قيم واتجاهات ومقدرة للسيطرة على الانفعالات) والسيكوحركية (اكتساب المهارات كالقراءة والكتابة والسباحة) من اجل إعداد مواطن صالح وسعيد ومنتج ومتكيف مع مجتمعه.
والتربية اليوم لم تعد تقتصر على سن أو مرحلة معينة من العمر، بل هي عملية مستمرة من المهد إلى اللّحد.
ولا تنحصر بالمدرسة بل تشمل مختلف نواحي الحياة كالبيت والحي والشارع والمجتمع الخ... لكن بالرغم من ذلك تبقى المدرسة إحدى أهم المؤسسات التي أنشأها المجتمع للاضطلاع بدور أساسي في العملية التربوية التي تقوم على أكتاف وجهود المعلمين. فالمعلم هو أهم العناصر في النظام التعليمي والتعلّمي. وهو الشخص الذي أوكلت إليه مهمة إعداد التلامذة وتوجيههم. وعليه تتوقف إلى حد بعيد عملية نجاح التلامذة او فشلهم. فهو مخرب شخصية الفرد او بانيها ومفسد المجتمع او مصلحه.
لأنه رغم تطور مفاهيم التربية ونظم التعليم، يستمر المعلم والأهل في لعب الدور المؤثر على التلامذة ليس فقط عبر السلطة التي تمنحهم إياها القوانين والأنظمة الإدارية، ولكن أيضاً عبر سلطة الأبوة والمعرفة التي هي أهم وأقوى أنواع السلطة.
من هنا كان تأثيره الحاسم مع الأهل في تقرير مستقبل الأجيال الطالعة. ومهما تطورت التكنولوجيا التربوية فلن تستطيع ان تأخذ دورهم.


ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدية إليه.
يمكن تحديد الفشل المدرسي، انه الفشل في بلوغ الغاية أي في نجاح التلميذ وفوزه بالترقي والقبول بحسب طرق التقييم المطبّقة في النظام التربوي.
والفشل المدرسي يمكن تعريفه أيضاً بعدم القدرة على بلوغ الأهداف التي حدّدها نظام التعليم بترك المتعلم المدرسة من دون أن يكتسب الحد الأدنى من المعلومات والمعارف والمهارات والقيم التي حدّدها النظام التربوي وترجمها بإعطاء الشهادات وهذا ما يسمّى بالتسرّب المدرسي.
وظاهرة الفشل المدرسي، ظاهرة قديمة وموجودة في كل الأزمنة والعصور. وهي لا تعني بالضرورة فشلاً في الحياة. وهنا لا بدّ لي من أن اذكر بعض مشاهير العالم الذين مرّوا بتجارب تعلّمية فاشلة خلال سنيهم الدراسية الأولى ثم ثبت في ما بعد انهم نوابغ وعباقرة نذكر على سبيل المثال: "Thomas Edison" و "Woodware Wilson" و "Albert Einstein".
ويمكننا أن نتحدث عن الفشل المدرسي عندما يكون هناك تأخر يزيد عن سنتين في التحصيل المدرسي. وهو يتجلى بظاهرتيّ الرسوب والتسرب مما يعني بلغة الاقتصاد هدراً تربوياً يعرقل التقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا المجال، لا بد لنا أن نذكر انه وفقاً لدراسة "التحصيل التعلّمي للتلامذة في الصف الرابع الأساسي" التي نفذها مكتب البحوث التربوية في المركز التربوي للبحوث والإنماء سنة ١٩٩٥ ، تبيّن ان نسبة الفشل المدرسي في لبنان تتدرّج من ٣٩,٧٩ ٪ في الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، لتصل إلى ٥٥,١٣ ٪ في نهاية الحلقة الرابعة، وهذه النسبة مرتفعة في المدارس الرسمية والريف وعند الذكور بشكل خاص. وسنسلّط الضوء على هذه المشكلة التعليمية وانعكاساتها الفعلية على المجتمع اللبناني.


ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي
والتي قد تكون في الفرضيات التالية:
ان لهذا الفشل أسباباً متعددة ومتنوعة منها داخلية ومنها خارجية نعدد ليس على سبيل الحصر ما يلي:
١- الفلسفة التربوية التقليدية التي أدّت إلى:
- سوء تطبيق المناهج التعليمية الجديدة في بعض المدارس
- البرامج التعليمية وتنظيماتها القائمة على الفصل بين المواد التعليمية المختلفة من جهة، وعلى الفصل بين المسار الأكاديمي والمسار المهني من جهة ثانية.
٢- الإدارة التربوية وجمودها في اعتماد معايير:
- اختيار الكتاب المدرسي وتقويمه.
- اختيار الهيئات التعليمية وإعدادها وتدريبها ومتابعتها.
- اعتماد طرق التعليم وتطويرها.
- توفير الوسائل التعليمية وإعدادها.
- التقويم التربوي والترفيع من صف إلى آخر.
- الرسوب المدرسي وأسبابه وطرق معالجته من خلال الدعم المدرسي.
٣- الكتاب المدرسي:
- لغته: صعوبتها ومفهوميتها.
- مضمونه: اقتصاره على العروض النظرية التي لا تستثير إلاّ الاستذكار فقط، وعدم شموله للمنهج الرسمي في بعض الأحيان.
- أسلوب عرضه: غير مشوق، مما يؤدي إلى كره التلميذ له وعدم رغبته في متابعته أحياناً.
- التنوع الكبير في الكتب المدرسية والاختلافات في ما بينها، الأمر الذي ينعكس على الاختلاف في مستويات التحصيل التعلّمي.
٤- المواد التعليمية
غالباً ما تكون كثيفة وبعيدة كل البعد عن اهتمامات المتعلمين وحاجاتهم الذاتية او الاجتماعية أحياناً.
٥- المعلم:
- غير المعد إعداداً كافياً لمهنة التعليم في بعض المدارس.
- الذي تلقى تدريباً أولياً عاماً للتعليم، وقف عنده، ولم يحاول هو أو المدرسة تطوير هذا الإعداد او تحديثه او تخصيصه: أكاديمياً وتربوياً...
- الذي تلقى تدريباً سريعاً وشكلياً أحياناً.
- الذي تغيب عنده الحوافز المهنية والمادية للتقدم في المهنة، وبالتالي يعتبر التعليم مهنة مؤقتة سرعان ما سيتركها اذا تسنّت له فرص أفضل...
٦- الامتحانات:
- واضعوها: من غير المعدين في مجال التقييم التربوي.
- أهدافها: الاقتصار على النواحي المعرفية أحياناً دون التطرق لقياس العمليات العقلية والمهارات العملية والاتجاهات والميول .
- مراقبتها: ما يسود عملية الامتحان من إرهاب بوليسي أحياناً او تراخ وغش أحياناً اخرى.
- عدم الدقة في تحديد معايير ومحكّات التصحيح أحياناً.
- اعتماد مصحّحين غير مدربين أو غير كفوئين من قبل بعض المدارس.
٧- المستوى الاقتصادي والثقافي للأهل، وتأثير ذلك على:
- الصورة عن الذات والتوقعات والطموحات.
- العلاقات العاطفية داخل الأسرة.
- عدد الأولاد في العائلة ومرتبة الولد بالنسبة لأخوته.
- درجة ثقافة الأهل ومهنتهم والتسهيلات التربوية المتوافرة داخل الأسرة.
- نوعية المدرسة: الاختلافات في الخدمات التعليمية بين المدارس ...
- المحيط الثقافي الذي يمنح الولد داخل عائلته عادات وتصرّفات معينة تسهّل عليه عملية الاستيعاب العلمي لا سيما ان أولياء الأمر المثقّفين يحسنون إجمالاً اختيار المدرسة الملائمة ويسهرون على عملية التحصيل التعلّمي لأولادهم فيكملون في البيت دور المدرسة ويتجاوبون معها.


رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.
إن مسؤولية المعلم والأهل عن الفشل المدرسي كبيرة وهامة. فهي تنبع من الدور الأساسي الذي يلعبونه في العملية التعليمية التي هي في جوهرها عملية تفاعل إنساني بين أقطابها. وهذه المسؤولية تتلخص بالعوامل التالية:
- شخصية المعلم: ان شخصية المعلم وما تنطوي عليه من خصائص وصفات كالتفهم والصبر ومحبة الأطفال واحترامهم والمرونة وحب النظام وبث روح التعاون والثقة بالنفس وروح المسؤولية كلها أمور تساعد على النجاح المدرسي وكذلك مظهر المعلم الخارجي أي لباسه وهندامه اللائق.
- اعداده الأكاديمي والتربوي: ان الإعداد الأكاديمي أي امتلاك المادة التي يدرسها المعلم أمر هام وضروري ولكنه ليس كافياً، بل يجب أن يرافق ذلك إعداد تربوي يتضمن دروساً نظرية في التربية وعلم النفس وطرائق التدريس، ودروساً تطبيقية من مشاهدة وإعطاء دروس. وهنا
لا بد من إيراد بعض الأمثلة:

  • لكي ينجح المعلم في عمله عليه ان يكون ملمّاً بنظريات التعلم وقوانينه. فالدراسات أثبتت ان العقاب يحبط التلميذ ويؤدي إلى الفشل في التعلم، بينما التشجيع والمكافأة يعززان التعلم ويؤديان إلى النجاح. فالنجاح يؤدي إلى النجاح والفشل يؤدي إلى الفشل.
  • ان اتباع الطرق النّاشطة في التعليم أمر أساسي للنجاح المدرسي، لانه، كما يقول عالم النفس "بياجيه" "ان المعرفة المحصّلة بالجهد الذاتي تبقى وترسخ في ذهن التلميذ أكثر بكثير من المعرفة الملقنة. والعكس ان اتباع الطرق التقليدية في التعليم القائمة على الحفظ والتلقين تؤدي بكل تأكيد إلى الفشل المدرسي".
  • ان الاطلاع على مراحل نمو التلامذة وخصائصهم وفروقاتهم الفردية، أمر ضروري لتحسين التعامل معهم. فعلى سبيل المثال ان توجيه ملاحظة قاسية للتلميذ المراهق أمام رفاقه امر مرفوض تربوياً لانه يؤدي غالبا إلى الصدام بين المراهق والمعلم، مما ينتج عنه أحياناً ترك المدرسة.


أثبتت الدراسات أن اتّباع الأسلوب السلطوي في التعليم القائم على الخوف وتهميش دور التلامذة يؤدي إلى نمو مشاعر العداء نحو المعلم ويجعل العلاقات بين التلامذة علاقات تنافسية عدوانية. بينما اتباع الأسلوب الديمقراطي القائم على المشاركة والتعاون يساعد على تفتح شخصية
التلميذ ويدفعه للعمل والبحث والتعاون مع الغير في أجواء تسودها روح المحبة والمناقشة والتحليل. مما يحقق أهداف التربية الحديثة في النماء الشامل لشخصية التلميذ.
ان يعتمد على تربية تعاونية لا تنافسية، فالتنافس الوحيد المسموح به هو التنافس الذاتي او بين المجموعات.
ان عملية التعلم في أساسها عملية تواصل وتفاعل إنساني، لذا على المعلم استعمال اللغة المناسبة لمستوى التلامذة واقتراح النشاطات المشوقة والملائمة لمراحل نموهم مع الاهتمام بالتغذية العكسية "Feed back" التي تمكّن المعلم من تعديل وتطوير تعامله مع التلامذة وصولاً إلى
تحقيق الأهداف المتوخاة.
ان اتباع أسلوب التقييم المستمر القائم على المرونة والغنى والتنوّع بدلا من الامتحانات التقليدية أمر أساسي للمساعدة في النجاح المدرسي على ان يكون التقييم موضوعياً لا ذاتياً أي ألاّ يقيّم المعلم شخص التلميذ بل عمله مع تشجيعه ومساعدته.
ان الصورة التي يكونها التلامذة عن معلمهم تلعب دوراً أساسياً في تسهيل عملية التعلم وتقبلهم للمعلم ونجاحهم. لذا فان تحضير الدروس ووضوح الأهداف وتحديد النظم الواجب احترامها والأدوار التي يجب القيام بها كلها أمور تحسن مردود العملية التعليمية.

- علاقة المعلم مع الأهل وسائر أفراد الهيئة التعليمية: إنّ أحد الأمور التي تؤدي إلى نجاح المعلم في عمله هو الاتصال المستمر بالأهل وسائر المعلمين لفهم مشكلات التلامذة والصعوبات التي تعترضهم للمساعدة على حلّها لأن التربية عملية تكاملية تفترض التعاون والتنسيق مع
كافة العناصر المهتمة بهذه العملية. من هنا يبرز دور المعلم كمرشد وموجه خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل الدراسي والمهني للتلميذ.
- البيئة العائلية: يكون النجاح المدرسي لدى أولاد الطبقات الوسطى والعليا أفضل منه لدى أولاد الطبقات الدنيا. هذا هو الاتجاه الذي بيّنته نتائج بحث قمنا به تناول علاقة مهنة أولياء الأمر بالنجاح المدرسي، وهكذا تكون نسب التأخر الدراسي عالية لدى التلامذة المنتمين إلى الطبقات
الدنيا، إذا ما قورنت بنسب التأخر الدراسي المسجّلة لدى التلامذة المنتمين لبقية الطبقات. وترتفع هذه النسب لدى تلامذة الطبقة الدنيا بشكل فجائي وكبير بين سنة منهجيّة وأخرى في المرحلة الابتدائية، بينما يأتي ارتفاعها تدريجيّا لدى بقية التلامذة وبنسب أقلّ مما يدلّ على ان الظروف
الموضوعية المتوافرة لهم هي أفضل من ظروف تلامذة الطبقة الدنيا، تؤهلهم للتغلب على الصعوبات التي تعترض عملية تحصيلهم التعلّمي بشكل أفضل.
- لماذا هذا التفاوت إذاً؟
هنا لا بد من سؤال أساسي لماذا هذا التفاوت في النجاح بين التلامذة المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية؟ هذا مع العلم أيضاً بأن الموقف الأساسي للطبقات الدنيا هو الاعتماد على التعليم كوسيلة للترقّي الاجتماعي وتصرّ هذه الفئات في قرارة نفسها على أن يكون مستوى أولادها
التعليمي جيداً ومتفوقاً ويرتضون في سبيل ذلك جميع التضحيات المعقولة. ويظهر هذا الموقف في وجود نسبة ١٥٪ من التلامذة، يكون عمرهم متقدّما إذا ما قيس بالعمر المقرّر للصف المنتسبين إليه، في السنة الابتدائية الأولى، لكن لا تلبث هذه النسبة بالإنخفاض حتى نهاية هذه المرحلة.
فالانتماء إلى فئة معينة يعني اكتساب مجموعة من المفاهيم والقيم الخاصة بها. وتختلف هذه المفاهيم والقيم بين طبقة اجتماعية وأخرى. وقد تساعد هذه المفاهيم والقيم التلامذة في عملية تحصيلهم العلمي، إذا ما توافقت مع القيم والمفاهيم التي تسيطر على النظام التعليمي، وإذا لم تتوافق
شكّلت عائقاً للتلميذ بالنسبة لنجاحه المدرسي.

 

خاتمة:

باختصار، ان الفشل المدرسي هو أيضاً نتيجة تأثير كل علاقة بمفردها على التأخر لأنه لا يمكن عزل العوامل بعضها عن بعض لقياس مدى تأثير كل واحدة منها لأنها مترابطة ومتداخلة وتؤلف كلاً واحداً يلعب دوره في تكوين الفشل المدرسي.
ويبدو ان وضع الفشل المدرسي خطير لأنه يؤثر على المجتمع والفرد في الوقت نفسه. وهو يشكل هدراً للطاقات والتضحيات، وينزل بالفرد ضربة قاسية تزعزع كيانه وتدعه يتراجع أمام الحياة.
ان جميع العوامل والعناصر التي أوردناها تبين الدور الهام الذي يلعبه المعلم والأهل في تقرير مستقبل التلاميذ المدرسي والمهني. من هنا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم والتي يتقبّلونها رغم الظروف الصعبة إيماناً منهم بان التعليم رسالة وان أطفالنا الذين هم فلذات أكبادنا هم المستقبل وهم الأمل والمرتجى في ظل التحديات التي نواجهها. فرهاننا الأساسي عليهم وعلى المعلم فإذا نجحوا نجحنا وإذا فشلوا لا سمح لله فشل الوطن بكامله.
من هنا أهمية توفير جميع الظروف والإمكانيات للحدّ من مشكلة الفشل المدرسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المركز التربوي للبحوث والانماء
مساعد رئيسة المركز في الشؤون التربوية
د.يوسف صادر

المراجع:


١- حامد الفقي: (التأخّر الدراسي، تشخيصه وعلاجه) -عالم الكتب القاهرة- ١٩٧١ القاهرة.
٢- سيّد عثمان: (صعوبات التعلّم) -الأنجلو المصرية، القاهرة- ١٩٨٥
٣- أبو سماحة: (الإعاقات في التعلّم: مفهومها ووسائل تشخيصها وعلاجها( المجلّة التربوية، الأردن- ١٩٩٥.
٤- محمد مصطفى زيدان: (الصعوبات المدرسية في التعليم الأساسي) -الانجلو المصرية- القاهرة- ١٩٩٣.
٥- المركز التربوي للبحوث والإنماء: إلزامية التعليم في لبنان- الحاجة الى التعليم الرسمي- بيروت ٢٠٠٠.
٦- المركز التربوي للبحوث والإنماء: التحصيل التعلّمي للتلاميذ في الصف الرابع أساسي- بيروت ١٩٩٥.

 

 

 

 

 

الفشل المدرسي: مسؤولية من؟

الفشل المدرسي ظاهرة تربوية تنتشر في أوساطنا التعليمية، فتترك بصماتها المؤلمة على المجتمع بشكل عام، لما تسبّبه من هدر في طاقات أبنائه. فهي بالإضافة إلى كونها تمتصّ جزءاً هاماً من الموازنة القومية، تشكّل حاجزاً غير مباشر يعرقل التقدّم الاجتماعي والاقتصادي، وعلى الأفراد المشتركين في العملية التعليمية من إدارة ومعلّمِين وتلامذة وأهل لما لها من نتائج على القرارات التي يتّخذها كل منهم نتيجة تقييمه لأسباب ذلك الفشل ودوره فيه.

 

 

 

 

وغني عن القول انه مهما تعدّدت مصادر المعرفة وتنوّعت الوسائل التعليمية يبقى المعلم والأهل من ركائز العملية التربوية والعنصر الحاسم في نجاحها او فشلها.
من هنا كان التركيز على تحديد مسؤولية المعلم والأهل في الفشل المدرسي، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى كافة.
وهذا يقتضي:
أولاً: التعريف بالتربية ودور الأهل والمعلم فيها.
ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدّية إليه.
ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي.
رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.

 

أولاً: تعريف التربية ودور الأهل والمعلم فيها.
إن التربية بمفهومها الحديث هي عملية تنمية شاملة ومتكاملة لشخصية الإنسان بأبعادها المعرفية (اكتساب معلومات ومعارف وطريقة تفكير) والعاطفية (اكتساب قيم واتجاهات ومقدرة للسيطرة على الانفعالات) والسيكوحركية (اكتساب المهارات كالقراءة والكتابة والسباحة) من اجل إعداد مواطن صالح وسعيد ومنتج ومتكيف مع مجتمعه.
والتربية اليوم لم تعد تقتصر على سن أو مرحلة معينة من العمر، بل هي عملية مستمرة من المهد إلى اللّحد.
ولا تنحصر بالمدرسة بل تشمل مختلف نواحي الحياة كالبيت والحي والشارع والمجتمع الخ... لكن بالرغم من ذلك تبقى المدرسة إحدى أهم المؤسسات التي أنشأها المجتمع للاضطلاع بدور أساسي في العملية التربوية التي تقوم على أكتاف وجهود المعلمين. فالمعلم هو أهم العناصر في النظام التعليمي والتعلّمي. وهو الشخص الذي أوكلت إليه مهمة إعداد التلامذة وتوجيههم. وعليه تتوقف إلى حد بعيد عملية نجاح التلامذة او فشلهم. فهو مخرب شخصية الفرد او بانيها ومفسد المجتمع او مصلحه.
لأنه رغم تطور مفاهيم التربية ونظم التعليم، يستمر المعلم والأهل في لعب الدور المؤثر على التلامذة ليس فقط عبر السلطة التي تمنحهم إياها القوانين والأنظمة الإدارية، ولكن أيضاً عبر سلطة الأبوة والمعرفة التي هي أهم وأقوى أنواع السلطة.
من هنا كان تأثيره الحاسم مع الأهل في تقرير مستقبل الأجيال الطالعة. ومهما تطورت التكنولوجيا التربوية فلن تستطيع ان تأخذ دورهم.


ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدية إليه.
يمكن تحديد الفشل المدرسي، انه الفشل في بلوغ الغاية أي في نجاح التلميذ وفوزه بالترقي والقبول بحسب طرق التقييم المطبّقة في النظام التربوي.
والفشل المدرسي يمكن تعريفه أيضاً بعدم القدرة على بلوغ الأهداف التي حدّدها نظام التعليم بترك المتعلم المدرسة من دون أن يكتسب الحد الأدنى من المعلومات والمعارف والمهارات والقيم التي حدّدها النظام التربوي وترجمها بإعطاء الشهادات وهذا ما يسمّى بالتسرّب المدرسي.
وظاهرة الفشل المدرسي، ظاهرة قديمة وموجودة في كل الأزمنة والعصور. وهي لا تعني بالضرورة فشلاً في الحياة. وهنا لا بدّ لي من أن اذكر بعض مشاهير العالم الذين مرّوا بتجارب تعلّمية فاشلة خلال سنيهم الدراسية الأولى ثم ثبت في ما بعد انهم نوابغ وعباقرة نذكر على سبيل المثال: "Thomas Edison" و "Woodware Wilson" و "Albert Einstein".
ويمكننا أن نتحدث عن الفشل المدرسي عندما يكون هناك تأخر يزيد عن سنتين في التحصيل المدرسي. وهو يتجلى بظاهرتيّ الرسوب والتسرب مما يعني بلغة الاقتصاد هدراً تربوياً يعرقل التقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا المجال، لا بد لنا أن نذكر انه وفقاً لدراسة "التحصيل التعلّمي للتلامذة في الصف الرابع الأساسي" التي نفذها مكتب البحوث التربوية في المركز التربوي للبحوث والإنماء سنة ١٩٩٥ ، تبيّن ان نسبة الفشل المدرسي في لبنان تتدرّج من ٣٩,٧٩ ٪ في الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، لتصل إلى ٥٥,١٣ ٪ في نهاية الحلقة الرابعة، وهذه النسبة مرتفعة في المدارس الرسمية والريف وعند الذكور بشكل خاص. وسنسلّط الضوء على هذه المشكلة التعليمية وانعكاساتها الفعلية على المجتمع اللبناني.


ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي
والتي قد تكون في الفرضيات التالية:
ان لهذا الفشل أسباباً متعددة ومتنوعة منها داخلية ومنها خارجية نعدد ليس على سبيل الحصر ما يلي:
١- الفلسفة التربوية التقليدية التي أدّت إلى:
- سوء تطبيق المناهج التعليمية الجديدة في بعض المدارس
- البرامج التعليمية وتنظيماتها القائمة على الفصل بين المواد التعليمية المختلفة من جهة، وعلى الفصل بين المسار الأكاديمي والمسار المهني من جهة ثانية.
٢- الإدارة التربوية وجمودها في اعتماد معايير:
- اختيار الكتاب المدرسي وتقويمه.
- اختيار الهيئات التعليمية وإعدادها وتدريبها ومتابعتها.
- اعتماد طرق التعليم وتطويرها.
- توفير الوسائل التعليمية وإعدادها.
- التقويم التربوي والترفيع من صف إلى آخر.
- الرسوب المدرسي وأسبابه وطرق معالجته من خلال الدعم المدرسي.
٣- الكتاب المدرسي:
- لغته: صعوبتها ومفهوميتها.
- مضمونه: اقتصاره على العروض النظرية التي لا تستثير إلاّ الاستذكار فقط، وعدم شموله للمنهج الرسمي في بعض الأحيان.
- أسلوب عرضه: غير مشوق، مما يؤدي إلى كره التلميذ له وعدم رغبته في متابعته أحياناً.
- التنوع الكبير في الكتب المدرسية والاختلافات في ما بينها، الأمر الذي ينعكس على الاختلاف في مستويات التحصيل التعلّمي.
٤- المواد التعليمية
غالباً ما تكون كثيفة وبعيدة كل البعد عن اهتمامات المتعلمين وحاجاتهم الذاتية او الاجتماعية أحياناً.
٥- المعلم:
- غير المعد إعداداً كافياً لمهنة التعليم في بعض المدارس.
- الذي تلقى تدريباً أولياً عاماً للتعليم، وقف عنده، ولم يحاول هو أو المدرسة تطوير هذا الإعداد او تحديثه او تخصيصه: أكاديمياً وتربوياً...
- الذي تلقى تدريباً سريعاً وشكلياً أحياناً.
- الذي تغيب عنده الحوافز المهنية والمادية للتقدم في المهنة، وبالتالي يعتبر التعليم مهنة مؤقتة سرعان ما سيتركها اذا تسنّت له فرص أفضل...
٦- الامتحانات:
- واضعوها: من غير المعدين في مجال التقييم التربوي.
- أهدافها: الاقتصار على النواحي المعرفية أحياناً دون التطرق لقياس العمليات العقلية والمهارات العملية والاتجاهات والميول .
- مراقبتها: ما يسود عملية الامتحان من إرهاب بوليسي أحياناً او تراخ وغش أحياناً اخرى.
- عدم الدقة في تحديد معايير ومحكّات التصحيح أحياناً.
- اعتماد مصحّحين غير مدربين أو غير كفوئين من قبل بعض المدارس.
٧- المستوى الاقتصادي والثقافي للأهل، وتأثير ذلك على:
- الصورة عن الذات والتوقعات والطموحات.
- العلاقات العاطفية داخل الأسرة.
- عدد الأولاد في العائلة ومرتبة الولد بالنسبة لأخوته.
- درجة ثقافة الأهل ومهنتهم والتسهيلات التربوية المتوافرة داخل الأسرة.
- نوعية المدرسة: الاختلافات في الخدمات التعليمية بين المدارس ...
- المحيط الثقافي الذي يمنح الولد داخل عائلته عادات وتصرّفات معينة تسهّل عليه عملية الاستيعاب العلمي لا سيما ان أولياء الأمر المثقّفين يحسنون إجمالاً اختيار المدرسة الملائمة ويسهرون على عملية التحصيل التعلّمي لأولادهم فيكملون في البيت دور المدرسة ويتجاوبون معها.


رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.
إن مسؤولية المعلم والأهل عن الفشل المدرسي كبيرة وهامة. فهي تنبع من الدور الأساسي الذي يلعبونه في العملية التعليمية التي هي في جوهرها عملية تفاعل إنساني بين أقطابها. وهذه المسؤولية تتلخص بالعوامل التالية:
- شخصية المعلم: ان شخصية المعلم وما تنطوي عليه من خصائص وصفات كالتفهم والصبر ومحبة الأطفال واحترامهم والمرونة وحب النظام وبث روح التعاون والثقة بالنفس وروح المسؤولية كلها أمور تساعد على النجاح المدرسي وكذلك مظهر المعلم الخارجي أي لباسه وهندامه اللائق.
- اعداده الأكاديمي والتربوي: ان الإعداد الأكاديمي أي امتلاك المادة التي يدرسها المعلم أمر هام وضروري ولكنه ليس كافياً، بل يجب أن يرافق ذلك إعداد تربوي يتضمن دروساً نظرية في التربية وعلم النفس وطرائق التدريس، ودروساً تطبيقية من مشاهدة وإعطاء دروس. وهنا
لا بد من إيراد بعض الأمثلة:

  • لكي ينجح المعلم في عمله عليه ان يكون ملمّاً بنظريات التعلم وقوانينه. فالدراسات أثبتت ان العقاب يحبط التلميذ ويؤدي إلى الفشل في التعلم، بينما التشجيع والمكافأة يعززان التعلم ويؤديان إلى النجاح. فالنجاح يؤدي إلى النجاح والفشل يؤدي إلى الفشل.
  • ان اتباع الطرق النّاشطة في التعليم أمر أساسي للنجاح المدرسي، لانه، كما يقول عالم النفس "بياجيه" "ان المعرفة المحصّلة بالجهد الذاتي تبقى وترسخ في ذهن التلميذ أكثر بكثير من المعرفة الملقنة. والعكس ان اتباع الطرق التقليدية في التعليم القائمة على الحفظ والتلقين تؤدي بكل تأكيد إلى الفشل المدرسي".
  • ان الاطلاع على مراحل نمو التلامذة وخصائصهم وفروقاتهم الفردية، أمر ضروري لتحسين التعامل معهم. فعلى سبيل المثال ان توجيه ملاحظة قاسية للتلميذ المراهق أمام رفاقه امر مرفوض تربوياً لانه يؤدي غالبا إلى الصدام بين المراهق والمعلم، مما ينتج عنه أحياناً ترك المدرسة.


أثبتت الدراسات أن اتّباع الأسلوب السلطوي في التعليم القائم على الخوف وتهميش دور التلامذة يؤدي إلى نمو مشاعر العداء نحو المعلم ويجعل العلاقات بين التلامذة علاقات تنافسية عدوانية. بينما اتباع الأسلوب الديمقراطي القائم على المشاركة والتعاون يساعد على تفتح شخصية
التلميذ ويدفعه للعمل والبحث والتعاون مع الغير في أجواء تسودها روح المحبة والمناقشة والتحليل. مما يحقق أهداف التربية الحديثة في النماء الشامل لشخصية التلميذ.
ان يعتمد على تربية تعاونية لا تنافسية، فالتنافس الوحيد المسموح به هو التنافس الذاتي او بين المجموعات.
ان عملية التعلم في أساسها عملية تواصل وتفاعل إنساني، لذا على المعلم استعمال اللغة المناسبة لمستوى التلامذة واقتراح النشاطات المشوقة والملائمة لمراحل نموهم مع الاهتمام بالتغذية العكسية "Feed back" التي تمكّن المعلم من تعديل وتطوير تعامله مع التلامذة وصولاً إلى
تحقيق الأهداف المتوخاة.
ان اتباع أسلوب التقييم المستمر القائم على المرونة والغنى والتنوّع بدلا من الامتحانات التقليدية أمر أساسي للمساعدة في النجاح المدرسي على ان يكون التقييم موضوعياً لا ذاتياً أي ألاّ يقيّم المعلم شخص التلميذ بل عمله مع تشجيعه ومساعدته.
ان الصورة التي يكونها التلامذة عن معلمهم تلعب دوراً أساسياً في تسهيل عملية التعلم وتقبلهم للمعلم ونجاحهم. لذا فان تحضير الدروس ووضوح الأهداف وتحديد النظم الواجب احترامها والأدوار التي يجب القيام بها كلها أمور تحسن مردود العملية التعليمية.

- علاقة المعلم مع الأهل وسائر أفراد الهيئة التعليمية: إنّ أحد الأمور التي تؤدي إلى نجاح المعلم في عمله هو الاتصال المستمر بالأهل وسائر المعلمين لفهم مشكلات التلامذة والصعوبات التي تعترضهم للمساعدة على حلّها لأن التربية عملية تكاملية تفترض التعاون والتنسيق مع
كافة العناصر المهتمة بهذه العملية. من هنا يبرز دور المعلم كمرشد وموجه خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل الدراسي والمهني للتلميذ.
- البيئة العائلية: يكون النجاح المدرسي لدى أولاد الطبقات الوسطى والعليا أفضل منه لدى أولاد الطبقات الدنيا. هذا هو الاتجاه الذي بيّنته نتائج بحث قمنا به تناول علاقة مهنة أولياء الأمر بالنجاح المدرسي، وهكذا تكون نسب التأخر الدراسي عالية لدى التلامذة المنتمين إلى الطبقات
الدنيا، إذا ما قورنت بنسب التأخر الدراسي المسجّلة لدى التلامذة المنتمين لبقية الطبقات. وترتفع هذه النسب لدى تلامذة الطبقة الدنيا بشكل فجائي وكبير بين سنة منهجيّة وأخرى في المرحلة الابتدائية، بينما يأتي ارتفاعها تدريجيّا لدى بقية التلامذة وبنسب أقلّ مما يدلّ على ان الظروف
الموضوعية المتوافرة لهم هي أفضل من ظروف تلامذة الطبقة الدنيا، تؤهلهم للتغلب على الصعوبات التي تعترض عملية تحصيلهم التعلّمي بشكل أفضل.
- لماذا هذا التفاوت إذاً؟
هنا لا بد من سؤال أساسي لماذا هذا التفاوت في النجاح بين التلامذة المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية؟ هذا مع العلم أيضاً بأن الموقف الأساسي للطبقات الدنيا هو الاعتماد على التعليم كوسيلة للترقّي الاجتماعي وتصرّ هذه الفئات في قرارة نفسها على أن يكون مستوى أولادها
التعليمي جيداً ومتفوقاً ويرتضون في سبيل ذلك جميع التضحيات المعقولة. ويظهر هذا الموقف في وجود نسبة ١٥٪ من التلامذة، يكون عمرهم متقدّما إذا ما قيس بالعمر المقرّر للصف المنتسبين إليه، في السنة الابتدائية الأولى، لكن لا تلبث هذه النسبة بالإنخفاض حتى نهاية هذه المرحلة.
فالانتماء إلى فئة معينة يعني اكتساب مجموعة من المفاهيم والقيم الخاصة بها. وتختلف هذه المفاهيم والقيم بين طبقة اجتماعية وأخرى. وقد تساعد هذه المفاهيم والقيم التلامذة في عملية تحصيلهم العلمي، إذا ما توافقت مع القيم والمفاهيم التي تسيطر على النظام التعليمي، وإذا لم تتوافق
شكّلت عائقاً للتلميذ بالنسبة لنجاحه المدرسي.

 

خاتمة:

باختصار، ان الفشل المدرسي هو أيضاً نتيجة تأثير كل علاقة بمفردها على التأخر لأنه لا يمكن عزل العوامل بعضها عن بعض لقياس مدى تأثير كل واحدة منها لأنها مترابطة ومتداخلة وتؤلف كلاً واحداً يلعب دوره في تكوين الفشل المدرسي.
ويبدو ان وضع الفشل المدرسي خطير لأنه يؤثر على المجتمع والفرد في الوقت نفسه. وهو يشكل هدراً للطاقات والتضحيات، وينزل بالفرد ضربة قاسية تزعزع كيانه وتدعه يتراجع أمام الحياة.
ان جميع العوامل والعناصر التي أوردناها تبين الدور الهام الذي يلعبه المعلم والأهل في تقرير مستقبل التلاميذ المدرسي والمهني. من هنا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم والتي يتقبّلونها رغم الظروف الصعبة إيماناً منهم بان التعليم رسالة وان أطفالنا الذين هم فلذات أكبادنا هم المستقبل وهم الأمل والمرتجى في ظل التحديات التي نواجهها. فرهاننا الأساسي عليهم وعلى المعلم فإذا نجحوا نجحنا وإذا فشلوا لا سمح لله فشل الوطن بكامله.
من هنا أهمية توفير جميع الظروف والإمكانيات للحدّ من مشكلة الفشل المدرسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المركز التربوي للبحوث والانماء
مساعد رئيسة المركز في الشؤون التربوية
د.يوسف صادر

المراجع:


١- حامد الفقي: (التأخّر الدراسي، تشخيصه وعلاجه) -عالم الكتب القاهرة- ١٩٧١ القاهرة.
٢- سيّد عثمان: (صعوبات التعلّم) -الأنجلو المصرية، القاهرة- ١٩٨٥
٣- أبو سماحة: (الإعاقات في التعلّم: مفهومها ووسائل تشخيصها وعلاجها( المجلّة التربوية، الأردن- ١٩٩٥.
٤- محمد مصطفى زيدان: (الصعوبات المدرسية في التعليم الأساسي) -الانجلو المصرية- القاهرة- ١٩٩٣.
٥- المركز التربوي للبحوث والإنماء: إلزامية التعليم في لبنان- الحاجة الى التعليم الرسمي- بيروت ٢٠٠٠.
٦- المركز التربوي للبحوث والإنماء: التحصيل التعلّمي للتلاميذ في الصف الرابع أساسي- بيروت ١٩٩٥.

 

 

 

 

 

الفشل المدرسي: مسؤولية من؟

الفشل المدرسي ظاهرة تربوية تنتشر في أوساطنا التعليمية، فتترك بصماتها المؤلمة على المجتمع بشكل عام، لما تسبّبه من هدر في طاقات أبنائه. فهي بالإضافة إلى كونها تمتصّ جزءاً هاماً من الموازنة القومية، تشكّل حاجزاً غير مباشر يعرقل التقدّم الاجتماعي والاقتصادي، وعلى الأفراد المشتركين في العملية التعليمية من إدارة ومعلّمِين وتلامذة وأهل لما لها من نتائج على القرارات التي يتّخذها كل منهم نتيجة تقييمه لأسباب ذلك الفشل ودوره فيه.

 

 

 

 

وغني عن القول انه مهما تعدّدت مصادر المعرفة وتنوّعت الوسائل التعليمية يبقى المعلم والأهل من ركائز العملية التربوية والعنصر الحاسم في نجاحها او فشلها.
من هنا كان التركيز على تحديد مسؤولية المعلم والأهل في الفشل المدرسي، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى كافة.
وهذا يقتضي:
أولاً: التعريف بالتربية ودور الأهل والمعلم فيها.
ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدّية إليه.
ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي.
رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.

 

أولاً: تعريف التربية ودور الأهل والمعلم فيها.
إن التربية بمفهومها الحديث هي عملية تنمية شاملة ومتكاملة لشخصية الإنسان بأبعادها المعرفية (اكتساب معلومات ومعارف وطريقة تفكير) والعاطفية (اكتساب قيم واتجاهات ومقدرة للسيطرة على الانفعالات) والسيكوحركية (اكتساب المهارات كالقراءة والكتابة والسباحة) من اجل إعداد مواطن صالح وسعيد ومنتج ومتكيف مع مجتمعه.
والتربية اليوم لم تعد تقتصر على سن أو مرحلة معينة من العمر، بل هي عملية مستمرة من المهد إلى اللّحد.
ولا تنحصر بالمدرسة بل تشمل مختلف نواحي الحياة كالبيت والحي والشارع والمجتمع الخ... لكن بالرغم من ذلك تبقى المدرسة إحدى أهم المؤسسات التي أنشأها المجتمع للاضطلاع بدور أساسي في العملية التربوية التي تقوم على أكتاف وجهود المعلمين. فالمعلم هو أهم العناصر في النظام التعليمي والتعلّمي. وهو الشخص الذي أوكلت إليه مهمة إعداد التلامذة وتوجيههم. وعليه تتوقف إلى حد بعيد عملية نجاح التلامذة او فشلهم. فهو مخرب شخصية الفرد او بانيها ومفسد المجتمع او مصلحه.
لأنه رغم تطور مفاهيم التربية ونظم التعليم، يستمر المعلم والأهل في لعب الدور المؤثر على التلامذة ليس فقط عبر السلطة التي تمنحهم إياها القوانين والأنظمة الإدارية، ولكن أيضاً عبر سلطة الأبوة والمعرفة التي هي أهم وأقوى أنواع السلطة.
من هنا كان تأثيره الحاسم مع الأهل في تقرير مستقبل الأجيال الطالعة. ومهما تطورت التكنولوجيا التربوية فلن تستطيع ان تأخذ دورهم.


ثانياً: تحديد الفشل المدرسي والعوامل المؤدية إليه.
يمكن تحديد الفشل المدرسي، انه الفشل في بلوغ الغاية أي في نجاح التلميذ وفوزه بالترقي والقبول بحسب طرق التقييم المطبّقة في النظام التربوي.
والفشل المدرسي يمكن تعريفه أيضاً بعدم القدرة على بلوغ الأهداف التي حدّدها نظام التعليم بترك المتعلم المدرسة من دون أن يكتسب الحد الأدنى من المعلومات والمعارف والمهارات والقيم التي حدّدها النظام التربوي وترجمها بإعطاء الشهادات وهذا ما يسمّى بالتسرّب المدرسي.
وظاهرة الفشل المدرسي، ظاهرة قديمة وموجودة في كل الأزمنة والعصور. وهي لا تعني بالضرورة فشلاً في الحياة. وهنا لا بدّ لي من أن اذكر بعض مشاهير العالم الذين مرّوا بتجارب تعلّمية فاشلة خلال سنيهم الدراسية الأولى ثم ثبت في ما بعد انهم نوابغ وعباقرة نذكر على سبيل المثال: "Thomas Edison" و "Woodware Wilson" و "Albert Einstein".
ويمكننا أن نتحدث عن الفشل المدرسي عندما يكون هناك تأخر يزيد عن سنتين في التحصيل المدرسي. وهو يتجلى بظاهرتيّ الرسوب والتسرب مما يعني بلغة الاقتصاد هدراً تربوياً يعرقل التقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا المجال، لا بد لنا أن نذكر انه وفقاً لدراسة "التحصيل التعلّمي للتلامذة في الصف الرابع الأساسي" التي نفذها مكتب البحوث التربوية في المركز التربوي للبحوث والإنماء سنة ١٩٩٥ ، تبيّن ان نسبة الفشل المدرسي في لبنان تتدرّج من ٣٩,٧٩ ٪ في الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، لتصل إلى ٥٥,١٣ ٪ في نهاية الحلقة الرابعة، وهذه النسبة مرتفعة في المدارس الرسمية والريف وعند الذكور بشكل خاص. وسنسلّط الضوء على هذه المشكلة التعليمية وانعكاساتها الفعلية على المجتمع اللبناني.


ثالثاً: الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الفشل المدرسي
والتي قد تكون في الفرضيات التالية:
ان لهذا الفشل أسباباً متعددة ومتنوعة منها داخلية ومنها خارجية نعدد ليس على سبيل الحصر ما يلي:
١- الفلسفة التربوية التقليدية التي أدّت إلى:
- سوء تطبيق المناهج التعليمية الجديدة في بعض المدارس
- البرامج التعليمية وتنظيماتها القائمة على الفصل بين المواد التعليمية المختلفة من جهة، وعلى الفصل بين المسار الأكاديمي والمسار المهني من جهة ثانية.
٢- الإدارة التربوية وجمودها في اعتماد معايير:
- اختيار الكتاب المدرسي وتقويمه.
- اختيار الهيئات التعليمية وإعدادها وتدريبها ومتابعتها.
- اعتماد طرق التعليم وتطويرها.
- توفير الوسائل التعليمية وإعدادها.
- التقويم التربوي والترفيع من صف إلى آخر.
- الرسوب المدرسي وأسبابه وطرق معالجته من خلال الدعم المدرسي.
٣- الكتاب المدرسي:
- لغته: صعوبتها ومفهوميتها.
- مضمونه: اقتصاره على العروض النظرية التي لا تستثير إلاّ الاستذكار فقط، وعدم شموله للمنهج الرسمي في بعض الأحيان.
- أسلوب عرضه: غير مشوق، مما يؤدي إلى كره التلميذ له وعدم رغبته في متابعته أحياناً.
- التنوع الكبير في الكتب المدرسية والاختلافات في ما بينها، الأمر الذي ينعكس على الاختلاف في مستويات التحصيل التعلّمي.
٤- المواد التعليمية
غالباً ما تكون كثيفة وبعيدة كل البعد عن اهتمامات المتعلمين وحاجاتهم الذاتية او الاجتماعية أحياناً.
٥- المعلم:
- غير المعد إعداداً كافياً لمهنة التعليم في بعض المدارس.
- الذي تلقى تدريباً أولياً عاماً للتعليم، وقف عنده، ولم يحاول هو أو المدرسة تطوير هذا الإعداد او تحديثه او تخصيصه: أكاديمياً وتربوياً...
- الذي تلقى تدريباً سريعاً وشكلياً أحياناً.
- الذي تغيب عنده الحوافز المهنية والمادية للتقدم في المهنة، وبالتالي يعتبر التعليم مهنة مؤقتة سرعان ما سيتركها اذا تسنّت له فرص أفضل...
٦- الامتحانات:
- واضعوها: من غير المعدين في مجال التقييم التربوي.
- أهدافها: الاقتصار على النواحي المعرفية أحياناً دون التطرق لقياس العمليات العقلية والمهارات العملية والاتجاهات والميول .
- مراقبتها: ما يسود عملية الامتحان من إرهاب بوليسي أحياناً او تراخ وغش أحياناً اخرى.
- عدم الدقة في تحديد معايير ومحكّات التصحيح أحياناً.
- اعتماد مصحّحين غير مدربين أو غير كفوئين من قبل بعض المدارس.
٧- المستوى الاقتصادي والثقافي للأهل، وتأثير ذلك على:
- الصورة عن الذات والتوقعات والطموحات.
- العلاقات العاطفية داخل الأسرة.
- عدد الأولاد في العائلة ومرتبة الولد بالنسبة لأخوته.
- درجة ثقافة الأهل ومهنتهم والتسهيلات التربوية المتوافرة داخل الأسرة.
- نوعية المدرسة: الاختلافات في الخدمات التعليمية بين المدارس ...
- المحيط الثقافي الذي يمنح الولد داخل عائلته عادات وتصرّفات معينة تسهّل عليه عملية الاستيعاب العلمي لا سيما ان أولياء الأمر المثقّفين يحسنون إجمالاً اختيار المدرسة الملائمة ويسهرون على عملية التحصيل التعلّمي لأولادهم فيكملون في البيت دور المدرسة ويتجاوبون معها.


رابعاً: مسؤولية المعلم والأهل في معالجة الفشل المدرسي.
إن مسؤولية المعلم والأهل عن الفشل المدرسي كبيرة وهامة. فهي تنبع من الدور الأساسي الذي يلعبونه في العملية التعليمية التي هي في جوهرها عملية تفاعل إنساني بين أقطابها. وهذه المسؤولية تتلخص بالعوامل التالية:
- شخصية المعلم: ان شخصية المعلم وما تنطوي عليه من خصائص وصفات كالتفهم والصبر ومحبة الأطفال واحترامهم والمرونة وحب النظام وبث روح التعاون والثقة بالنفس وروح المسؤولية كلها أمور تساعد على النجاح المدرسي وكذلك مظهر المعلم الخارجي أي لباسه وهندامه اللائق.
- اعداده الأكاديمي والتربوي: ان الإعداد الأكاديمي أي امتلاك المادة التي يدرسها المعلم أمر هام وضروري ولكنه ليس كافياً، بل يجب أن يرافق ذلك إعداد تربوي يتضمن دروساً نظرية في التربية وعلم النفس وطرائق التدريس، ودروساً تطبيقية من مشاهدة وإعطاء دروس. وهنا
لا بد من إيراد بعض الأمثلة:

  • لكي ينجح المعلم في عمله عليه ان يكون ملمّاً بنظريات التعلم وقوانينه. فالدراسات أثبتت ان العقاب يحبط التلميذ ويؤدي إلى الفشل في التعلم، بينما التشجيع والمكافأة يعززان التعلم ويؤديان إلى النجاح. فالنجاح يؤدي إلى النجاح والفشل يؤدي إلى الفشل.
  • ان اتباع الطرق النّاشطة في التعليم أمر أساسي للنجاح المدرسي، لانه، كما يقول عالم النفس "بياجيه" "ان المعرفة المحصّلة بالجهد الذاتي تبقى وترسخ في ذهن التلميذ أكثر بكثير من المعرفة الملقنة. والعكس ان اتباع الطرق التقليدية في التعليم القائمة على الحفظ والتلقين تؤدي بكل تأكيد إلى الفشل المدرسي".
  • ان الاطلاع على مراحل نمو التلامذة وخصائصهم وفروقاتهم الفردية، أمر ضروري لتحسين التعامل معهم. فعلى سبيل المثال ان توجيه ملاحظة قاسية للتلميذ المراهق أمام رفاقه امر مرفوض تربوياً لانه يؤدي غالبا إلى الصدام بين المراهق والمعلم، مما ينتج عنه أحياناً ترك المدرسة.


أثبتت الدراسات أن اتّباع الأسلوب السلطوي في التعليم القائم على الخوف وتهميش دور التلامذة يؤدي إلى نمو مشاعر العداء نحو المعلم ويجعل العلاقات بين التلامذة علاقات تنافسية عدوانية. بينما اتباع الأسلوب الديمقراطي القائم على المشاركة والتعاون يساعد على تفتح شخصية
التلميذ ويدفعه للعمل والبحث والتعاون مع الغير في أجواء تسودها روح المحبة والمناقشة والتحليل. مما يحقق أهداف التربية الحديثة في النماء الشامل لشخصية التلميذ.
ان يعتمد على تربية تعاونية لا تنافسية، فالتنافس الوحيد المسموح به هو التنافس الذاتي او بين المجموعات.
ان عملية التعلم في أساسها عملية تواصل وتفاعل إنساني، لذا على المعلم استعمال اللغة المناسبة لمستوى التلامذة واقتراح النشاطات المشوقة والملائمة لمراحل نموهم مع الاهتمام بالتغذية العكسية "Feed back" التي تمكّن المعلم من تعديل وتطوير تعامله مع التلامذة وصولاً إلى
تحقيق الأهداف المتوخاة.
ان اتباع أسلوب التقييم المستمر القائم على المرونة والغنى والتنوّع بدلا من الامتحانات التقليدية أمر أساسي للمساعدة في النجاح المدرسي على ان يكون التقييم موضوعياً لا ذاتياً أي ألاّ يقيّم المعلم شخص التلميذ بل عمله مع تشجيعه ومساعدته.
ان الصورة التي يكونها التلامذة عن معلمهم تلعب دوراً أساسياً في تسهيل عملية التعلم وتقبلهم للمعلم ونجاحهم. لذا فان تحضير الدروس ووضوح الأهداف وتحديد النظم الواجب احترامها والأدوار التي يجب القيام بها كلها أمور تحسن مردود العملية التعليمية.

- علاقة المعلم مع الأهل وسائر أفراد الهيئة التعليمية: إنّ أحد الأمور التي تؤدي إلى نجاح المعلم في عمله هو الاتصال المستمر بالأهل وسائر المعلمين لفهم مشكلات التلامذة والصعوبات التي تعترضهم للمساعدة على حلّها لأن التربية عملية تكاملية تفترض التعاون والتنسيق مع
كافة العناصر المهتمة بهذه العملية. من هنا يبرز دور المعلم كمرشد وموجه خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل الدراسي والمهني للتلميذ.
- البيئة العائلية: يكون النجاح المدرسي لدى أولاد الطبقات الوسطى والعليا أفضل منه لدى أولاد الطبقات الدنيا. هذا هو الاتجاه الذي بيّنته نتائج بحث قمنا به تناول علاقة مهنة أولياء الأمر بالنجاح المدرسي، وهكذا تكون نسب التأخر الدراسي عالية لدى التلامذة المنتمين إلى الطبقات
الدنيا، إذا ما قورنت بنسب التأخر الدراسي المسجّلة لدى التلامذة المنتمين لبقية الطبقات. وترتفع هذه النسب لدى تلامذة الطبقة الدنيا بشكل فجائي وكبير بين سنة منهجيّة وأخرى في المرحلة الابتدائية، بينما يأتي ارتفاعها تدريجيّا لدى بقية التلامذة وبنسب أقلّ مما يدلّ على ان الظروف
الموضوعية المتوافرة لهم هي أفضل من ظروف تلامذة الطبقة الدنيا، تؤهلهم للتغلب على الصعوبات التي تعترض عملية تحصيلهم التعلّمي بشكل أفضل.
- لماذا هذا التفاوت إذاً؟
هنا لا بد من سؤال أساسي لماذا هذا التفاوت في النجاح بين التلامذة المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية؟ هذا مع العلم أيضاً بأن الموقف الأساسي للطبقات الدنيا هو الاعتماد على التعليم كوسيلة للترقّي الاجتماعي وتصرّ هذه الفئات في قرارة نفسها على أن يكون مستوى أولادها
التعليمي جيداً ومتفوقاً ويرتضون في سبيل ذلك جميع التضحيات المعقولة. ويظهر هذا الموقف في وجود نسبة ١٥٪ من التلامذة، يكون عمرهم متقدّما إذا ما قيس بالعمر المقرّر للصف المنتسبين إليه، في السنة الابتدائية الأولى، لكن لا تلبث هذه النسبة بالإنخفاض حتى نهاية هذه المرحلة.
فالانتماء إلى فئة معينة يعني اكتساب مجموعة من المفاهيم والقيم الخاصة بها. وتختلف هذه المفاهيم والقيم بين طبقة اجتماعية وأخرى. وقد تساعد هذه المفاهيم والقيم التلامذة في عملية تحصيلهم العلمي، إذا ما توافقت مع القيم والمفاهيم التي تسيطر على النظام التعليمي، وإذا لم تتوافق
شكّلت عائقاً للتلميذ بالنسبة لنجاحه المدرسي.

 

خاتمة:

باختصار، ان الفشل المدرسي هو أيضاً نتيجة تأثير كل علاقة بمفردها على التأخر لأنه لا يمكن عزل العوامل بعضها عن بعض لقياس مدى تأثير كل واحدة منها لأنها مترابطة ومتداخلة وتؤلف كلاً واحداً يلعب دوره في تكوين الفشل المدرسي.
ويبدو ان وضع الفشل المدرسي خطير لأنه يؤثر على المجتمع والفرد في الوقت نفسه. وهو يشكل هدراً للطاقات والتضحيات، وينزل بالفرد ضربة قاسية تزعزع كيانه وتدعه يتراجع أمام الحياة.
ان جميع العوامل والعناصر التي أوردناها تبين الدور الهام الذي يلعبه المعلم والأهل في تقرير مستقبل التلاميذ المدرسي والمهني. من هنا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم والتي يتقبّلونها رغم الظروف الصعبة إيماناً منهم بان التعليم رسالة وان أطفالنا الذين هم فلذات أكبادنا هم المستقبل وهم الأمل والمرتجى في ظل التحديات التي نواجهها. فرهاننا الأساسي عليهم وعلى المعلم فإذا نجحوا نجحنا وإذا فشلوا لا سمح لله فشل الوطن بكامله.
من هنا أهمية توفير جميع الظروف والإمكانيات للحدّ من مشكلة الفشل المدرسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المركز التربوي للبحوث والانماء
مساعد رئيسة المركز في الشؤون التربوية
د.يوسف صادر

المراجع:


١- حامد الفقي: (التأخّر الدراسي، تشخيصه وعلاجه) -عالم الكتب القاهرة- ١٩٧١ القاهرة.
٢- سيّد عثمان: (صعوبات التعلّم) -الأنجلو المصرية، القاهرة- ١٩٨٥
٣- أبو سماحة: (الإعاقات في التعلّم: مفهومها ووسائل تشخيصها وعلاجها( المجلّة التربوية، الأردن- ١٩٩٥.
٤- محمد مصطفى زيدان: (الصعوبات المدرسية في التعليم الأساسي) -الانجلو المصرية- القاهرة- ١٩٩٣.
٥- المركز التربوي للبحوث والإنماء: إلزامية التعليم في لبنان- الحاجة الى التعليم الرسمي- بيروت ٢٠٠٠.
٦- المركز التربوي للبحوث والإنماء: التحصيل التعلّمي للتلاميذ في الصف الرابع أساسي- بيروت ١٩٩٥.