مسيرة تطوير المناهج في التعليم المهني والتقني

شكل المناهج التعليمية حجر الأساس في العملية التربوية ومؤشراً رئيسياً في تقييم مخرجات التعليم، ومن البديهي القول إن هذه المناهج يجب أن تتجدد باستمرار لتتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في المعارف وفي سوق العمل. لقد وعى التعليم المهني والتقني هذا الأمر منذ الثمانينيّات، وبالرغم من تواصل الأحداث في لبنان في ذلك الوقت فقد دخل التعليم المهني والتقني معترك عملية تحديث المناهج بالتعاون آنذاك مع المركز التربوي للبحوث والإنماء ومنظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، وظهر في ذلك الحين توجه جديد نحو صياغة حديثة للمناهج تعتمد على توصيف المهنة وعلى إكساب الطالب المهارات اللازمة لتأديتها.

 

 

 

 

 

لم تكن الخلفية العلمية والتربوية للمشاركين في الورشة الكبيرة التي انطلقت في الثمانينيّات تسمح بعمل كامل بفعل الأحداث من جهة ولقلة الخبرة من جهة ثانية، كما لم يكن من الممكن الاعتماد على مشاركة فعلية من أصحاب العمل وأرباب المهن في وضع المناهج الجديدة وفي توصيف كل مهنة، ولكن بالرغم من ذلك صدرت مناهج جديدة غطت غالبية اختصاصات شهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني كما خاض التعليم المهني والتقني تجربة وضع مناهج تعتمد على الحلقات التأهيلية من خلال مشروع رائد وبدعم من منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء.

كان الهدف الأساسي من مشروع الحلقات التأهيلية هو الانتقال من منهج تعليمي تتحقق أهدافه في نهاية كل مرحلة تعليمية، أي بعد دراسة مدتها ثلاث سنوات، إلى منهج تتحقق فيه الأهداف النهائية ذاتها ولتكون له أهداف مرحلية كل سنة، فيعد الطالب سنوياً وخلال فترة دراسته لمهنة موصوفة في سوق العمل مما يسمح له في حال تسربه من المنظومة التعليمية، القيام بعمل محدد بدلاً من الخروج بدون كفاءة عملية معترف بها.

في أواخر الثمانينيّات لم تتمكن الإدارة من تطبيق نظام الحلقات التأهيلية لسببين أساسيين، أولهما الظروف الأمنية الصعبة التي كانت سائدة في البلد وثانيهما عدم قدرة المؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة على القيام بتغيير كبير في نظمها التعليمية بدون أن يسبق ذلك عملية تأهيل وتدريب لأجهزتها الإدارية والتعليمية على النظام الجديد.
بغض النظر عن عدم تطبيق نظام الحلقات التأهيلية في مناهج التعليم المهني والتقني إلا أن هذه المناهج الرائدة كانت أول تجربة تطرح فيها نظريات التعلم الحديثة وأهمها تحديد الأهداف التربوية عند وضع المناهج التعليمية، وهكذا ولأول مرّة يُنظر إلى الهدف التربوي على أنه العامل الأساسي الذي يساهم في إنارة السبيل أمام تطبيق المناهج وتوضيح غاياتها وأهدافها .
تبلور مع مرور الزمن مفهوم العملية التربوية واختلفت النظرة إليها لتصبح أكثر شمولية، وحددت غايتها انطلاقاً من إعداد المواطن الصالح الذي تكتمل فيه أبعاد النمو المختلفة من نفسية وانفعالية وجسدية وعقلية واجتماعية على نحو يمكِنه من أن يكون فاعلاً ومنتجا ومراعياً لثقافة المجتمع وقيمه ونظمه ومعاييره العامة والخاصة والمتغيرة. وكان لصدور الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان التي وضعها المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتعاون مع مختلف الفاعليات التربوية والعلمية عام ١٩٩٥ الأثر البالغ في توضيح هذه الرؤية.
في مطلع التسعينيّات كانت هناك بعض محاولات التحديث ولكنها اقتصرت في حينه على مجموعة محدودة من المناهج التعليمية لشهادة البكالوريا الفنية (الاختصاصات الصناعية) ولشهادة الامتياز الفني، كما تم إعداد بعض مناهج شهادة الإجازة الفنية التي بدأ العمل بها في ذاك الوقت.

كانت مناهج التعليم المهني والتقني تتسم بغالبيتها بطغيان المواد النظرية على المواد العملية والتطبيقية كما كانت تتسم بالطابع العمومي الأمر الذي أدى إلى ضرورة إحداث تغيير مهم فيها لكي تتلاقى مع متطلبات المجتمع الملحة، وقد عبّر عن ذلك جميع المعنيين بهذا التعليم من أصحاب عمل وأساتذة وطلاب وخبراء محليين ودوليين. وجاءت الدعوة الأكثر تعبيراً عن هذه الحاجة من قبل المؤسسات الإنتاجية والخدماتية، المستخدمة لخريجي التعليم المهني والتقني، حيث صرح المسؤولون فيها في أكثر من لقاء عن شكواهم من ضعف مستوى هؤلاء لاسيما في مجالات القدرات والمهارات العملية واللغات.
في دراسة أعدت بتمويل من البنك الدولي لصالح وزارة التربية والتعليم العالي شملت سبعة قطاعات صناعية (الطباعة، الصناعات الغذائية، الألبسة، النسيج، الأدوية، البلاستيك، الكهرباء) تم استطلاع رأي المسؤولين فيها عن مستوى خريجي التعليم المهني والتقني، أجمع أصحاب العمل على أن التعليم المهني والتقني لا يغطي كلياً حاجاتهم كما أنهم أعربوا عن وجود نقص ملحوظ في أعداد العمال المهرة.
كانت الشكاوى عديدة ومازالت حتى الآن لان خريجي التعليم المهني والتقني لاسيما في الاختصاصات الصناعية (كهرباء، الكترونيك، ميكانيك) لا تتلاءم كفاءاتهم واحتياجات سوق العمل ؛ فمن جهة هناك نقص في تجهيزات التدريب، ومن جهة أخرى فان أسس التكنولوجيا الحديثة
المستخدمة في خطوط الإنتاج والصيانة في المصانع لم تدخل إلى مناهج التدريس، كما أن التعليم المهني والتقني لا يغطي بعض القطاعات الصناعية الأساسية في البلد مثل الطباعة والصناعات الغذائية وصناعة الألبسة والبلاستيك.
وما قاله الصناعيون تردد على ألسنة ممثلي قطاعات الفندقة والمعلوماتية والبناء وسائر الخدمات. وفي السياق ذاته نشير إلى أن دراسة سوق العمل التي أطلقتها مؤسسة الاستخدام في أواخر التسعينيّات مع منظمة العمل الدولية أظهرت أن عاملاً واحداً من أصل أربعة تابع تدريباً نظامياً
في مجال مهنته، ويدل ذلك بشكل قاطع على ضعف الروابط ما بين النظام التعليمي وسوق العمل والإنتاج والخدمات.
في العام ١٩٩٧ كلّفت وزارة التربية والتعليم العالي إحدى الشركات الخاصة بتنظيم ورشة عمل لتحديث المناهج التعليمية بالتعاون مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني ومختلف قطاعات الإنتاج والخدمات، وقد شكلت الوزارة لجانًا مشتركة ساهم فيها الجميع وتناولت أكثر من أربعين اختصاصاً لشهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني. في ذلك الوقت كانت وكالة التعاون الألمانية تعمل مع المسؤولين في التعليم المهني والتقني على وضع مناهج شهادة الثانوية المهنية - نظام مزدوج وان كان عدد الاختصاصات التي وضعت مناهج لها محدودًا بالنسبة لاختصاصات البكالوريا الفنية الموازية للنظام المزدوج في المستوى التعليمي.

كانت المناهج التعليمية تشكو من مواطن ضعف نلخصها بما يأتي:

  • طغيان التعليم النظري على التعليم العملي والتطبيقي.
  • قصور المعلومات النظرية عن اللحاق بالتغيرات الحاصلة في أنماط الإنتاج وتقنياته.
  • عدم تغطية الاختصاصات كافة والتي منها ما يشكل عنصراً أساسياً في الصناعة اللبنانية كالطباعة والصناعات الغذائية.
  • غياب نظام مؤسساتي يضمن مشاركة أصحاب العمل في تطوير المناهج بشكل فعّال ومنظم.
  • قلة إلمام أساتذة التعليم المهني والتقني والطلاب باستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة.
  • عدم إقبال الطلاب على تنمية قدراتهم على التعلم الذاتي المستمر في عالمنا المعاصر المتغير سريعاً.
  • ضعف الطلاب في اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الإنكليزية.
  • غياب تطبيق نظم تعليمية حديثة كالتعليم المجزأ الذي أصبح سائداً الآن في كل بلدان العالم لاسيما في المستوى ما بعد الثانوي.

بالرغم من الجهد الذي بذل من قبل الجميع للخروج بمناهج حديثة متطورة تلبي الطموحات المرجوة، إلا أن الوصول إلى النتيجة المنتظرة لم يتم بشكل كامل لسبب أساسي وهو أن المشاركين في هذه الورشة كانوا غير متمرسين في العمل التربوي وتنقصهم الخبرة في إتقان أصول وضع المناهج التعليمية. كما أن الصناعيين وأصحاب العمل لم يأخذوا الأمر على محمل الجد فكانت مشاركتهم شكلية وسطحية بدون الدخول في العمق كما أن الشركة المكلفة تنفيذ العمل لم تتمكن من إحداث تغيير كبير في المعطيات وفي كفاءات العناصر البشرية التي وضعت بتصرفها نظرا لضيق الوقت ولالتزامها بزمن محدد للتنفيذ. إضافة إلى ذلك فان المشروع بحد ذاته لم يغط كل اختصاصات التعليم المهني والتقني فبقي مستوى الأطر العليا خارج نطاق العمل؛ أما مرحلتا التكميلية المهنية والكفاءة المهنية فبقيت مناهجهما القديمة الموضوعة في الستينيّات دون تحديث أو تغيير.

تعتبر ورشة العام ١٩٩٧ وبرنامج التعاون اللبناني الفرنسي الذي سبقها بقليل أول محاولة جدية للقيام بعمل نظامي ومدروس يتناول موضوع المناهج التعليمية. إن الجهد الذي بذل ولو لم يعط ثماره كاملة إلا أن هذه الورشة كان لها فضل كبير في تسليط الضوء على مدى أهمية معالجة موضوع تطوير وتقييم المناهج بجدية وبالطرق العلمية والتربوية الحديثة المعتمدة عالميا.

في العام ١٩٩٩ ، وقبل تطبيق المناهج الجديدة صدر مرسوم ينظم عملية تطوير المناهج وقامت الوزارة بناء عليه بتشكيل لجان فنية موسعة لدرس المناهج وتأمين الخلفية العلمية اللازمة لتطبيقها وتدريب الأساتذة على تحقيق أهدافها. كان الشعار المرفوع في ذلك الوقت هو التعليم بالكفايات (Enseignement par compétences) وهو شعار أطلق عالمياً من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية للفت نظر العاملين في مجالات التربية والتعليم إلى أن التعليم قد تحول من عملية تلقين نظري إلى عملية تربوية متكاملة محورها الطالب تتضمن إحداث تغيير في سلوكه وإكسابه المهارات الأدائية بشكل متسلسل ومنظم.

في ورشة العمل التي أطلقت في العام ١٩٩٩ ، والتي تعتبر الأهم منذ نشأة التعليم المهني والتقني في مجال وضع وتحديث المناهج كان هناك حديث عن أهداف وغايات، عن السلامة والبيئة، عن ربط التعليم بالإنتاج وبالكلفة، عن المعايير والمقاييس، وكلها أمور لم يكن أحد يتحدث بها سابقا. بدأ فريق العمل الذي شكلته المديرية العامة والذي كان يتكون من أكثر من مئتي شخص يتحدث عن أمور لم تطرح سابقاً بالمستوى المناسب، وظهرت كفاءات محلية عديدة، تربوية وعلمية، وبدأ تطبيق المناهج الجديدة، ربما مع العديد من النواقص والأخطاء ولكن بمعنويات عالية.

ما هو أكيد اليوم أن التعليم المهني والتقني إن لم يكن قد وصل إلى وضع نظام متكامل لآلية تطوير المناهج وتحديثها وما يرافقها من نظم للتقييم فانه على الأقل يعرف ويعي ما هي أبعاد هذه الأمور وما هي سبل معالجتها

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أنه لا فائدة من تطوير المناهج التعليمية إذا لم يرافق ذلك ورشة حقيقية لتدريب الأساتذة تدخل في عمق الأمور التربوية والتقنية ليصبح لدى التعليم المهني والتقني القدرة الحقيقية على إحداث هذا التغيير المنتظر في المضمون وفي التنفيذ فيخرج
التعليم المهني والتقني من حالة التراجع لينتقل إلى مرحلة أخرى تسودها شراكة حقيقية ما بين مؤسسات التعليم ومؤسسات الإنتاج والخدمات فينمو بذلك الاقتصاد وتزداد قدرات البلاد على المنافسة الخارجية كما تتطور إمكانياتها الداخلية مما ينعكس نموا وازدهارا.

 

المديرية العامة للتعليم المهني والتقني
مدير المعهد الفني الصناعي العالي
المهندس نبيل نقاش

مسيرة تطوير المناهج في التعليم المهني والتقني

شكل المناهج التعليمية حجر الأساس في العملية التربوية ومؤشراً رئيسياً في تقييم مخرجات التعليم، ومن البديهي القول إن هذه المناهج يجب أن تتجدد باستمرار لتتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في المعارف وفي سوق العمل. لقد وعى التعليم المهني والتقني هذا الأمر منذ الثمانينيّات، وبالرغم من تواصل الأحداث في لبنان في ذلك الوقت فقد دخل التعليم المهني والتقني معترك عملية تحديث المناهج بالتعاون آنذاك مع المركز التربوي للبحوث والإنماء ومنظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، وظهر في ذلك الحين توجه جديد نحو صياغة حديثة للمناهج تعتمد على توصيف المهنة وعلى إكساب الطالب المهارات اللازمة لتأديتها.

 

 

 

 

 

لم تكن الخلفية العلمية والتربوية للمشاركين في الورشة الكبيرة التي انطلقت في الثمانينيّات تسمح بعمل كامل بفعل الأحداث من جهة ولقلة الخبرة من جهة ثانية، كما لم يكن من الممكن الاعتماد على مشاركة فعلية من أصحاب العمل وأرباب المهن في وضع المناهج الجديدة وفي توصيف كل مهنة، ولكن بالرغم من ذلك صدرت مناهج جديدة غطت غالبية اختصاصات شهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني كما خاض التعليم المهني والتقني تجربة وضع مناهج تعتمد على الحلقات التأهيلية من خلال مشروع رائد وبدعم من منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء.

كان الهدف الأساسي من مشروع الحلقات التأهيلية هو الانتقال من منهج تعليمي تتحقق أهدافه في نهاية كل مرحلة تعليمية، أي بعد دراسة مدتها ثلاث سنوات، إلى منهج تتحقق فيه الأهداف النهائية ذاتها ولتكون له أهداف مرحلية كل سنة، فيعد الطالب سنوياً وخلال فترة دراسته لمهنة موصوفة في سوق العمل مما يسمح له في حال تسربه من المنظومة التعليمية، القيام بعمل محدد بدلاً من الخروج بدون كفاءة عملية معترف بها.

في أواخر الثمانينيّات لم تتمكن الإدارة من تطبيق نظام الحلقات التأهيلية لسببين أساسيين، أولهما الظروف الأمنية الصعبة التي كانت سائدة في البلد وثانيهما عدم قدرة المؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة على القيام بتغيير كبير في نظمها التعليمية بدون أن يسبق ذلك عملية تأهيل وتدريب لأجهزتها الإدارية والتعليمية على النظام الجديد.
بغض النظر عن عدم تطبيق نظام الحلقات التأهيلية في مناهج التعليم المهني والتقني إلا أن هذه المناهج الرائدة كانت أول تجربة تطرح فيها نظريات التعلم الحديثة وأهمها تحديد الأهداف التربوية عند وضع المناهج التعليمية، وهكذا ولأول مرّة يُنظر إلى الهدف التربوي على أنه العامل الأساسي الذي يساهم في إنارة السبيل أمام تطبيق المناهج وتوضيح غاياتها وأهدافها .
تبلور مع مرور الزمن مفهوم العملية التربوية واختلفت النظرة إليها لتصبح أكثر شمولية، وحددت غايتها انطلاقاً من إعداد المواطن الصالح الذي تكتمل فيه أبعاد النمو المختلفة من نفسية وانفعالية وجسدية وعقلية واجتماعية على نحو يمكِنه من أن يكون فاعلاً ومنتجا ومراعياً لثقافة المجتمع وقيمه ونظمه ومعاييره العامة والخاصة والمتغيرة. وكان لصدور الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان التي وضعها المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتعاون مع مختلف الفاعليات التربوية والعلمية عام ١٩٩٥ الأثر البالغ في توضيح هذه الرؤية.
في مطلع التسعينيّات كانت هناك بعض محاولات التحديث ولكنها اقتصرت في حينه على مجموعة محدودة من المناهج التعليمية لشهادة البكالوريا الفنية (الاختصاصات الصناعية) ولشهادة الامتياز الفني، كما تم إعداد بعض مناهج شهادة الإجازة الفنية التي بدأ العمل بها في ذاك الوقت.

كانت مناهج التعليم المهني والتقني تتسم بغالبيتها بطغيان المواد النظرية على المواد العملية والتطبيقية كما كانت تتسم بالطابع العمومي الأمر الذي أدى إلى ضرورة إحداث تغيير مهم فيها لكي تتلاقى مع متطلبات المجتمع الملحة، وقد عبّر عن ذلك جميع المعنيين بهذا التعليم من أصحاب عمل وأساتذة وطلاب وخبراء محليين ودوليين. وجاءت الدعوة الأكثر تعبيراً عن هذه الحاجة من قبل المؤسسات الإنتاجية والخدماتية، المستخدمة لخريجي التعليم المهني والتقني، حيث صرح المسؤولون فيها في أكثر من لقاء عن شكواهم من ضعف مستوى هؤلاء لاسيما في مجالات القدرات والمهارات العملية واللغات.
في دراسة أعدت بتمويل من البنك الدولي لصالح وزارة التربية والتعليم العالي شملت سبعة قطاعات صناعية (الطباعة، الصناعات الغذائية، الألبسة، النسيج، الأدوية، البلاستيك، الكهرباء) تم استطلاع رأي المسؤولين فيها عن مستوى خريجي التعليم المهني والتقني، أجمع أصحاب العمل على أن التعليم المهني والتقني لا يغطي كلياً حاجاتهم كما أنهم أعربوا عن وجود نقص ملحوظ في أعداد العمال المهرة.
كانت الشكاوى عديدة ومازالت حتى الآن لان خريجي التعليم المهني والتقني لاسيما في الاختصاصات الصناعية (كهرباء، الكترونيك، ميكانيك) لا تتلاءم كفاءاتهم واحتياجات سوق العمل ؛ فمن جهة هناك نقص في تجهيزات التدريب، ومن جهة أخرى فان أسس التكنولوجيا الحديثة
المستخدمة في خطوط الإنتاج والصيانة في المصانع لم تدخل إلى مناهج التدريس، كما أن التعليم المهني والتقني لا يغطي بعض القطاعات الصناعية الأساسية في البلد مثل الطباعة والصناعات الغذائية وصناعة الألبسة والبلاستيك.
وما قاله الصناعيون تردد على ألسنة ممثلي قطاعات الفندقة والمعلوماتية والبناء وسائر الخدمات. وفي السياق ذاته نشير إلى أن دراسة سوق العمل التي أطلقتها مؤسسة الاستخدام في أواخر التسعينيّات مع منظمة العمل الدولية أظهرت أن عاملاً واحداً من أصل أربعة تابع تدريباً نظامياً
في مجال مهنته، ويدل ذلك بشكل قاطع على ضعف الروابط ما بين النظام التعليمي وسوق العمل والإنتاج والخدمات.
في العام ١٩٩٧ كلّفت وزارة التربية والتعليم العالي إحدى الشركات الخاصة بتنظيم ورشة عمل لتحديث المناهج التعليمية بالتعاون مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني ومختلف قطاعات الإنتاج والخدمات، وقد شكلت الوزارة لجانًا مشتركة ساهم فيها الجميع وتناولت أكثر من أربعين اختصاصاً لشهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني. في ذلك الوقت كانت وكالة التعاون الألمانية تعمل مع المسؤولين في التعليم المهني والتقني على وضع مناهج شهادة الثانوية المهنية - نظام مزدوج وان كان عدد الاختصاصات التي وضعت مناهج لها محدودًا بالنسبة لاختصاصات البكالوريا الفنية الموازية للنظام المزدوج في المستوى التعليمي.

كانت المناهج التعليمية تشكو من مواطن ضعف نلخصها بما يأتي:

  • طغيان التعليم النظري على التعليم العملي والتطبيقي.
  • قصور المعلومات النظرية عن اللحاق بالتغيرات الحاصلة في أنماط الإنتاج وتقنياته.
  • عدم تغطية الاختصاصات كافة والتي منها ما يشكل عنصراً أساسياً في الصناعة اللبنانية كالطباعة والصناعات الغذائية.
  • غياب نظام مؤسساتي يضمن مشاركة أصحاب العمل في تطوير المناهج بشكل فعّال ومنظم.
  • قلة إلمام أساتذة التعليم المهني والتقني والطلاب باستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة.
  • عدم إقبال الطلاب على تنمية قدراتهم على التعلم الذاتي المستمر في عالمنا المعاصر المتغير سريعاً.
  • ضعف الطلاب في اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الإنكليزية.
  • غياب تطبيق نظم تعليمية حديثة كالتعليم المجزأ الذي أصبح سائداً الآن في كل بلدان العالم لاسيما في المستوى ما بعد الثانوي.

بالرغم من الجهد الذي بذل من قبل الجميع للخروج بمناهج حديثة متطورة تلبي الطموحات المرجوة، إلا أن الوصول إلى النتيجة المنتظرة لم يتم بشكل كامل لسبب أساسي وهو أن المشاركين في هذه الورشة كانوا غير متمرسين في العمل التربوي وتنقصهم الخبرة في إتقان أصول وضع المناهج التعليمية. كما أن الصناعيين وأصحاب العمل لم يأخذوا الأمر على محمل الجد فكانت مشاركتهم شكلية وسطحية بدون الدخول في العمق كما أن الشركة المكلفة تنفيذ العمل لم تتمكن من إحداث تغيير كبير في المعطيات وفي كفاءات العناصر البشرية التي وضعت بتصرفها نظرا لضيق الوقت ولالتزامها بزمن محدد للتنفيذ. إضافة إلى ذلك فان المشروع بحد ذاته لم يغط كل اختصاصات التعليم المهني والتقني فبقي مستوى الأطر العليا خارج نطاق العمل؛ أما مرحلتا التكميلية المهنية والكفاءة المهنية فبقيت مناهجهما القديمة الموضوعة في الستينيّات دون تحديث أو تغيير.

تعتبر ورشة العام ١٩٩٧ وبرنامج التعاون اللبناني الفرنسي الذي سبقها بقليل أول محاولة جدية للقيام بعمل نظامي ومدروس يتناول موضوع المناهج التعليمية. إن الجهد الذي بذل ولو لم يعط ثماره كاملة إلا أن هذه الورشة كان لها فضل كبير في تسليط الضوء على مدى أهمية معالجة موضوع تطوير وتقييم المناهج بجدية وبالطرق العلمية والتربوية الحديثة المعتمدة عالميا.

في العام ١٩٩٩ ، وقبل تطبيق المناهج الجديدة صدر مرسوم ينظم عملية تطوير المناهج وقامت الوزارة بناء عليه بتشكيل لجان فنية موسعة لدرس المناهج وتأمين الخلفية العلمية اللازمة لتطبيقها وتدريب الأساتذة على تحقيق أهدافها. كان الشعار المرفوع في ذلك الوقت هو التعليم بالكفايات (Enseignement par compétences) وهو شعار أطلق عالمياً من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية للفت نظر العاملين في مجالات التربية والتعليم إلى أن التعليم قد تحول من عملية تلقين نظري إلى عملية تربوية متكاملة محورها الطالب تتضمن إحداث تغيير في سلوكه وإكسابه المهارات الأدائية بشكل متسلسل ومنظم.

في ورشة العمل التي أطلقت في العام ١٩٩٩ ، والتي تعتبر الأهم منذ نشأة التعليم المهني والتقني في مجال وضع وتحديث المناهج كان هناك حديث عن أهداف وغايات، عن السلامة والبيئة، عن ربط التعليم بالإنتاج وبالكلفة، عن المعايير والمقاييس، وكلها أمور لم يكن أحد يتحدث بها سابقا. بدأ فريق العمل الذي شكلته المديرية العامة والذي كان يتكون من أكثر من مئتي شخص يتحدث عن أمور لم تطرح سابقاً بالمستوى المناسب، وظهرت كفاءات محلية عديدة، تربوية وعلمية، وبدأ تطبيق المناهج الجديدة، ربما مع العديد من النواقص والأخطاء ولكن بمعنويات عالية.

ما هو أكيد اليوم أن التعليم المهني والتقني إن لم يكن قد وصل إلى وضع نظام متكامل لآلية تطوير المناهج وتحديثها وما يرافقها من نظم للتقييم فانه على الأقل يعرف ويعي ما هي أبعاد هذه الأمور وما هي سبل معالجتها

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أنه لا فائدة من تطوير المناهج التعليمية إذا لم يرافق ذلك ورشة حقيقية لتدريب الأساتذة تدخل في عمق الأمور التربوية والتقنية ليصبح لدى التعليم المهني والتقني القدرة الحقيقية على إحداث هذا التغيير المنتظر في المضمون وفي التنفيذ فيخرج
التعليم المهني والتقني من حالة التراجع لينتقل إلى مرحلة أخرى تسودها شراكة حقيقية ما بين مؤسسات التعليم ومؤسسات الإنتاج والخدمات فينمو بذلك الاقتصاد وتزداد قدرات البلاد على المنافسة الخارجية كما تتطور إمكانياتها الداخلية مما ينعكس نموا وازدهارا.

 

المديرية العامة للتعليم المهني والتقني
مدير المعهد الفني الصناعي العالي
المهندس نبيل نقاش

مسيرة تطوير المناهج في التعليم المهني والتقني

شكل المناهج التعليمية حجر الأساس في العملية التربوية ومؤشراً رئيسياً في تقييم مخرجات التعليم، ومن البديهي القول إن هذه المناهج يجب أن تتجدد باستمرار لتتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في المعارف وفي سوق العمل. لقد وعى التعليم المهني والتقني هذا الأمر منذ الثمانينيّات، وبالرغم من تواصل الأحداث في لبنان في ذلك الوقت فقد دخل التعليم المهني والتقني معترك عملية تحديث المناهج بالتعاون آنذاك مع المركز التربوي للبحوث والإنماء ومنظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، وظهر في ذلك الحين توجه جديد نحو صياغة حديثة للمناهج تعتمد على توصيف المهنة وعلى إكساب الطالب المهارات اللازمة لتأديتها.

 

 

 

 

 

لم تكن الخلفية العلمية والتربوية للمشاركين في الورشة الكبيرة التي انطلقت في الثمانينيّات تسمح بعمل كامل بفعل الأحداث من جهة ولقلة الخبرة من جهة ثانية، كما لم يكن من الممكن الاعتماد على مشاركة فعلية من أصحاب العمل وأرباب المهن في وضع المناهج الجديدة وفي توصيف كل مهنة، ولكن بالرغم من ذلك صدرت مناهج جديدة غطت غالبية اختصاصات شهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني كما خاض التعليم المهني والتقني تجربة وضع مناهج تعتمد على الحلقات التأهيلية من خلال مشروع رائد وبدعم من منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء.

كان الهدف الأساسي من مشروع الحلقات التأهيلية هو الانتقال من منهج تعليمي تتحقق أهدافه في نهاية كل مرحلة تعليمية، أي بعد دراسة مدتها ثلاث سنوات، إلى منهج تتحقق فيه الأهداف النهائية ذاتها ولتكون له أهداف مرحلية كل سنة، فيعد الطالب سنوياً وخلال فترة دراسته لمهنة موصوفة في سوق العمل مما يسمح له في حال تسربه من المنظومة التعليمية، القيام بعمل محدد بدلاً من الخروج بدون كفاءة عملية معترف بها.

في أواخر الثمانينيّات لم تتمكن الإدارة من تطبيق نظام الحلقات التأهيلية لسببين أساسيين، أولهما الظروف الأمنية الصعبة التي كانت سائدة في البلد وثانيهما عدم قدرة المؤسسات التعليمية الرسمية والخاصة على القيام بتغيير كبير في نظمها التعليمية بدون أن يسبق ذلك عملية تأهيل وتدريب لأجهزتها الإدارية والتعليمية على النظام الجديد.
بغض النظر عن عدم تطبيق نظام الحلقات التأهيلية في مناهج التعليم المهني والتقني إلا أن هذه المناهج الرائدة كانت أول تجربة تطرح فيها نظريات التعلم الحديثة وأهمها تحديد الأهداف التربوية عند وضع المناهج التعليمية، وهكذا ولأول مرّة يُنظر إلى الهدف التربوي على أنه العامل الأساسي الذي يساهم في إنارة السبيل أمام تطبيق المناهج وتوضيح غاياتها وأهدافها .
تبلور مع مرور الزمن مفهوم العملية التربوية واختلفت النظرة إليها لتصبح أكثر شمولية، وحددت غايتها انطلاقاً من إعداد المواطن الصالح الذي تكتمل فيه أبعاد النمو المختلفة من نفسية وانفعالية وجسدية وعقلية واجتماعية على نحو يمكِنه من أن يكون فاعلاً ومنتجا ومراعياً لثقافة المجتمع وقيمه ونظمه ومعاييره العامة والخاصة والمتغيرة. وكان لصدور الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان التي وضعها المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتعاون مع مختلف الفاعليات التربوية والعلمية عام ١٩٩٥ الأثر البالغ في توضيح هذه الرؤية.
في مطلع التسعينيّات كانت هناك بعض محاولات التحديث ولكنها اقتصرت في حينه على مجموعة محدودة من المناهج التعليمية لشهادة البكالوريا الفنية (الاختصاصات الصناعية) ولشهادة الامتياز الفني، كما تم إعداد بعض مناهج شهادة الإجازة الفنية التي بدأ العمل بها في ذاك الوقت.

كانت مناهج التعليم المهني والتقني تتسم بغالبيتها بطغيان المواد النظرية على المواد العملية والتطبيقية كما كانت تتسم بالطابع العمومي الأمر الذي أدى إلى ضرورة إحداث تغيير مهم فيها لكي تتلاقى مع متطلبات المجتمع الملحة، وقد عبّر عن ذلك جميع المعنيين بهذا التعليم من أصحاب عمل وأساتذة وطلاب وخبراء محليين ودوليين. وجاءت الدعوة الأكثر تعبيراً عن هذه الحاجة من قبل المؤسسات الإنتاجية والخدماتية، المستخدمة لخريجي التعليم المهني والتقني، حيث صرح المسؤولون فيها في أكثر من لقاء عن شكواهم من ضعف مستوى هؤلاء لاسيما في مجالات القدرات والمهارات العملية واللغات.
في دراسة أعدت بتمويل من البنك الدولي لصالح وزارة التربية والتعليم العالي شملت سبعة قطاعات صناعية (الطباعة، الصناعات الغذائية، الألبسة، النسيج، الأدوية، البلاستيك، الكهرباء) تم استطلاع رأي المسؤولين فيها عن مستوى خريجي التعليم المهني والتقني، أجمع أصحاب العمل على أن التعليم المهني والتقني لا يغطي كلياً حاجاتهم كما أنهم أعربوا عن وجود نقص ملحوظ في أعداد العمال المهرة.
كانت الشكاوى عديدة ومازالت حتى الآن لان خريجي التعليم المهني والتقني لاسيما في الاختصاصات الصناعية (كهرباء، الكترونيك، ميكانيك) لا تتلاءم كفاءاتهم واحتياجات سوق العمل ؛ فمن جهة هناك نقص في تجهيزات التدريب، ومن جهة أخرى فان أسس التكنولوجيا الحديثة
المستخدمة في خطوط الإنتاج والصيانة في المصانع لم تدخل إلى مناهج التدريس، كما أن التعليم المهني والتقني لا يغطي بعض القطاعات الصناعية الأساسية في البلد مثل الطباعة والصناعات الغذائية وصناعة الألبسة والبلاستيك.
وما قاله الصناعيون تردد على ألسنة ممثلي قطاعات الفندقة والمعلوماتية والبناء وسائر الخدمات. وفي السياق ذاته نشير إلى أن دراسة سوق العمل التي أطلقتها مؤسسة الاستخدام في أواخر التسعينيّات مع منظمة العمل الدولية أظهرت أن عاملاً واحداً من أصل أربعة تابع تدريباً نظامياً
في مجال مهنته، ويدل ذلك بشكل قاطع على ضعف الروابط ما بين النظام التعليمي وسوق العمل والإنتاج والخدمات.
في العام ١٩٩٧ كلّفت وزارة التربية والتعليم العالي إحدى الشركات الخاصة بتنظيم ورشة عمل لتحديث المناهج التعليمية بالتعاون مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني ومختلف قطاعات الإنتاج والخدمات، وقد شكلت الوزارة لجانًا مشتركة ساهم فيها الجميع وتناولت أكثر من أربعين اختصاصاً لشهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني. في ذلك الوقت كانت وكالة التعاون الألمانية تعمل مع المسؤولين في التعليم المهني والتقني على وضع مناهج شهادة الثانوية المهنية - نظام مزدوج وان كان عدد الاختصاصات التي وضعت مناهج لها محدودًا بالنسبة لاختصاصات البكالوريا الفنية الموازية للنظام المزدوج في المستوى التعليمي.

كانت المناهج التعليمية تشكو من مواطن ضعف نلخصها بما يأتي:

  • طغيان التعليم النظري على التعليم العملي والتطبيقي.
  • قصور المعلومات النظرية عن اللحاق بالتغيرات الحاصلة في أنماط الإنتاج وتقنياته.
  • عدم تغطية الاختصاصات كافة والتي منها ما يشكل عنصراً أساسياً في الصناعة اللبنانية كالطباعة والصناعات الغذائية.
  • غياب نظام مؤسساتي يضمن مشاركة أصحاب العمل في تطوير المناهج بشكل فعّال ومنظم.
  • قلة إلمام أساتذة التعليم المهني والتقني والطلاب باستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة.
  • عدم إقبال الطلاب على تنمية قدراتهم على التعلم الذاتي المستمر في عالمنا المعاصر المتغير سريعاً.
  • ضعف الطلاب في اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الإنكليزية.
  • غياب تطبيق نظم تعليمية حديثة كالتعليم المجزأ الذي أصبح سائداً الآن في كل بلدان العالم لاسيما في المستوى ما بعد الثانوي.

بالرغم من الجهد الذي بذل من قبل الجميع للخروج بمناهج حديثة متطورة تلبي الطموحات المرجوة، إلا أن الوصول إلى النتيجة المنتظرة لم يتم بشكل كامل لسبب أساسي وهو أن المشاركين في هذه الورشة كانوا غير متمرسين في العمل التربوي وتنقصهم الخبرة في إتقان أصول وضع المناهج التعليمية. كما أن الصناعيين وأصحاب العمل لم يأخذوا الأمر على محمل الجد فكانت مشاركتهم شكلية وسطحية بدون الدخول في العمق كما أن الشركة المكلفة تنفيذ العمل لم تتمكن من إحداث تغيير كبير في المعطيات وفي كفاءات العناصر البشرية التي وضعت بتصرفها نظرا لضيق الوقت ولالتزامها بزمن محدد للتنفيذ. إضافة إلى ذلك فان المشروع بحد ذاته لم يغط كل اختصاصات التعليم المهني والتقني فبقي مستوى الأطر العليا خارج نطاق العمل؛ أما مرحلتا التكميلية المهنية والكفاءة المهنية فبقيت مناهجهما القديمة الموضوعة في الستينيّات دون تحديث أو تغيير.

تعتبر ورشة العام ١٩٩٧ وبرنامج التعاون اللبناني الفرنسي الذي سبقها بقليل أول محاولة جدية للقيام بعمل نظامي ومدروس يتناول موضوع المناهج التعليمية. إن الجهد الذي بذل ولو لم يعط ثماره كاملة إلا أن هذه الورشة كان لها فضل كبير في تسليط الضوء على مدى أهمية معالجة موضوع تطوير وتقييم المناهج بجدية وبالطرق العلمية والتربوية الحديثة المعتمدة عالميا.

في العام ١٩٩٩ ، وقبل تطبيق المناهج الجديدة صدر مرسوم ينظم عملية تطوير المناهج وقامت الوزارة بناء عليه بتشكيل لجان فنية موسعة لدرس المناهج وتأمين الخلفية العلمية اللازمة لتطبيقها وتدريب الأساتذة على تحقيق أهدافها. كان الشعار المرفوع في ذلك الوقت هو التعليم بالكفايات (Enseignement par compétences) وهو شعار أطلق عالمياً من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية للفت نظر العاملين في مجالات التربية والتعليم إلى أن التعليم قد تحول من عملية تلقين نظري إلى عملية تربوية متكاملة محورها الطالب تتضمن إحداث تغيير في سلوكه وإكسابه المهارات الأدائية بشكل متسلسل ومنظم.

في ورشة العمل التي أطلقت في العام ١٩٩٩ ، والتي تعتبر الأهم منذ نشأة التعليم المهني والتقني في مجال وضع وتحديث المناهج كان هناك حديث عن أهداف وغايات، عن السلامة والبيئة، عن ربط التعليم بالإنتاج وبالكلفة، عن المعايير والمقاييس، وكلها أمور لم يكن أحد يتحدث بها سابقا. بدأ فريق العمل الذي شكلته المديرية العامة والذي كان يتكون من أكثر من مئتي شخص يتحدث عن أمور لم تطرح سابقاً بالمستوى المناسب، وظهرت كفاءات محلية عديدة، تربوية وعلمية، وبدأ تطبيق المناهج الجديدة، ربما مع العديد من النواقص والأخطاء ولكن بمعنويات عالية.

ما هو أكيد اليوم أن التعليم المهني والتقني إن لم يكن قد وصل إلى وضع نظام متكامل لآلية تطوير المناهج وتحديثها وما يرافقها من نظم للتقييم فانه على الأقل يعرف ويعي ما هي أبعاد هذه الأمور وما هي سبل معالجتها

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أنه لا فائدة من تطوير المناهج التعليمية إذا لم يرافق ذلك ورشة حقيقية لتدريب الأساتذة تدخل في عمق الأمور التربوية والتقنية ليصبح لدى التعليم المهني والتقني القدرة الحقيقية على إحداث هذا التغيير المنتظر في المضمون وفي التنفيذ فيخرج
التعليم المهني والتقني من حالة التراجع لينتقل إلى مرحلة أخرى تسودها شراكة حقيقية ما بين مؤسسات التعليم ومؤسسات الإنتاج والخدمات فينمو بذلك الاقتصاد وتزداد قدرات البلاد على المنافسة الخارجية كما تتطور إمكانياتها الداخلية مما ينعكس نموا وازدهارا.

 

المديرية العامة للتعليم المهني والتقني
مدير المعهد الفني الصناعي العالي
المهندس نبيل نقاش