الأسُس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة

الأسُس والمبادئ
الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد
المناهج التربويّة الجديدة

قبل البدء بتحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء، في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، لا بدّ لنا من إلقاء نظرة سريعة على بعض المفاهيم المختلفة للمنهج.
المنهج هو خطّة العمل، وهو في الميدان المدرسيّ يشمل أنواع الخبرات والموادّ التعليميّة وأساليب إيصالها إلى التلاميذ.
وأمّا أهمّيّته فتظهر في أنّه نوع من التشريع، يُقصد به تنظيم العمليّة التعليميّة وتوجيهها نحو مراميها المنشودة؛ فالتربية على اختلاف أنواعها تستوجب أنواعًا من المناهج تحقّق غاياتها وهي أشبه بالقوانين التشريعيّة الّتي تكفل التقدّم والحياة الفُضلى، والأعمال الّتي يزاولها الفرد وتكون أحيانًا فجائيّة، لأنّ الباعث إليها دافع فجائي. وقد تكون هذه الأعمال أحيانًا أخرى من الأهمّيّة بحيث تحتاج إلى تفكيرٍ سابقٍ، وبحثٍ طويلٍ، ومنها التعلّمُ ومظاهر التفكير السّابق الّذي ثمرته هي المنهج الدّراسي.
ولقد تطوّر التعريف بالمنهج مع تطوُّر النظريّات التربويّة الّتي أسبغت عليه أكثر من مفهوم بالنسبة إلى كلّ نظريّة. فالتربية التقليديّة كانت تنظر إلى المنهج على أنّه مجموعة موادّ دراسيّة مركّزة بالدرجة الأولى حول الكتاب المدرسيّ من دون اعتبارٍ كافٍ لإنماء القدرات الشخصيّةَ لدى المتعلّمِ، بينما أصبحت التربية الحديثة، أو المُتجدّدِة تنظر إلى المتعلّمِ على أنّه العنصر الأساس في التربية، وأنّ المعلّمِ يقوم بدور الوسيط بين المتعلّمِ والمنهج.
وكي يأتي المنهج منسجمًا مع هذه النظريّة كان عليه أن يتضمّنَ فضلاً عن إعداد التلميذ لحياة المستقبل، تنمية شخصيّته، وتوسيع خبراته من خلال حياته اليوميّة الحاضرة. وهو بالتالي لا يعبّرِ عن محتوى تربوي - تعليمي وحسب، بقدر ما يعبّرِ عن أهداف وغايات تربويةّ مُتَرجَمَة إلى موادّ تعليميّة قابلة بدورها للترجمة إلى أنماط سلوكيّة
عند المتعلّمِين.

ق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في ضوء ما تقدم، وبالاستند إلى الدّراسات العلميّة، يمكننا التأكيد أنّ المنهج، بالمفهوم الحديث، هو ركيزة أساسيّة للعمليّة التعليميّة، وهو العمود الفقري للمؤسّسة التعليميّة، وبذلك فهو يسعى إلى أهداف ثلاثة: نقل المعلومات، نقد المعلومات، وإنتاج المعلومات.
ثمّ إنّ المناهج هي عمليّة مركّبة من أربعة عناصر: الأهداف، المضمون، الوسائل والأنشطة، التقييم؛ ولا تستقيم مناهج من دون تكامل هذه العناصر الأربعة وتناغمها.


وعليه، يمكننا تحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، بالآتي:

المبدأ الأوّل:
الإنسان هو المحور وهو الغاية، بشخصيّته الفرديّة والاجتماعيّة والمواطنيّة، وبأبعاده الجسديّة والعقليّة والروحيّة.
وقد ورد في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ أنّ المناهج حدّدت أهدافها العامّة بالإجابة عن سؤال: أيّ مواطن وأيّ إنسان نريد؟


وانطلاقًا من ذلك ،نذكر ما ورد في الأهداف العامّة للمناهج:
- "الإيمان والالتزام بالقيَم والمبادئ الإنسانيّة.
- الوعي بأنّ التراث الروحي في لبنان هو تراث يجب صونه.
- الالتزام بالثقافة الوطنيّة، وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة، وعلى مستجدّات العصر
".


المبدأ الثاني:
احترام الدستور، وهذا لا يعني الامتناع عن المعارضة، أو العمل بهدف التعديل أو التغيير بحسب الأصول الدستوريّة وبالطرق الديمقراطيّة. ويمكن التوقّف بصورة خاصّة عند الفقرات الآتية من الدستور اللّبناني:
- "لبنان وطن سيّدِ حر ّمستقلّ (مقدّمِة الدستور، الفقرة أ).
- لبنان عربيّ الهوّيّة والانتماء (مقدّمِة الدستور، الفقرة ب).
- لبنان جمهوريّة برلمانيّة تقوم على احترام الحرّيات العامّة، وفي طليعتها حرّية الرأي والمعتقد... (مقدّمة الدستور، الفقرة ج).
- التعليم حرّ في لبنان ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو ينافِ الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان (الدستور اللّبناني، المادّة ١٠)".


وتمكن الإشارة إلى أنّ موضوع الحرّية تجسَّد في المناهج التربويّة الجديدة من حيث التخلّصُ من النصوص المفروضة والمحدّدَة والخروج إلى أفق الاختيار، بما يحقّقِ الانسجام بين المبدأ والهدف والمحتوى.


المبدأ الثالث:
الالتزام "بخطّة النهوض التربويّ" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٤/٨/١٧ ، والّتي ورد فيها أنّها ترمي إلى:
"تعزيز الانتماء والانصهار الوطنيّين، والانفتاح الروحي والثقافي وذلك من خلال إعادة النظر في المناهج التربويّةَ وتطويرها".


المبدأ الرابع:
الالتزام "بالهيكليّة الجديدة للتّعليم في لبنان" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٥/١٠/٢٥ والّتي جاء في مقدّمة فصلها الأوّل:
"أصبح كلّ من يتعاطى الشأن التربويّ في لبنان على اقتناع تامّ بأنّه لا بدّ من إخضاع المناهج التعليميّة إلى عمليّة تطوير جذريّةَ، لسبب جوهريّ بسيط هو أنّ هذه المناهج بقيت جامدة ولم يمسّها تعديل أو تغيير يذكر منذ صدورها قبل ربع قرن، وهي فترة زمنيّة شهدت تطوّرات هامّة في مختلف أنواع المعارف والعلوم والفنون إلى درجة أنّه لم يعد مستغربًا أن يكتشف المرء أنّ تلميذنا في لبنان يستقي من جهاز التلفزيون والكومبيوتر، معلومات تجعل ما يتعلّمه من المناهج الدّراسيّة وكأنّه إلى حدّ كبير ينتمي إلى عالم آخر".


هذا التطوّر المتسارع في العالم كان بصورة خاصّة سمة الربع الأخير من القرن الماضي. فلم تستطع المناهج في لبنان أن تلحق بالركب الحضاريّ بسبب الحرب المدمّرِة الّتي شغلت معظم سنوات هذه الفترة ذاتها، فأصبح التخلّفُ مُضاعفًا بسبب التقدّمُ الهائل من جهة، والشّلل أو فقدان
القدرة على التحرُّك أو الاستجابة من جهة ثانية.
لذا كان على المركز التربويّ، وبالتعاون مع المؤسّسات التربويّةَ في القطاعين الرسميّ والخاصّ، أن يبدأ ورشة تغيير المناهج التربويّة وتحديثها لتماشي روح العصر وتفتح أمام أجيال لبنان آفاق المستقبل.


المبدأ الخامس:
التصدّي لأهمّ شوائب المناهج الّتي كانت مُعتمدة سابقًا بعد دراستها وتحليلها وفرزها، والالتزام بالتجديد من حيث النقاط الّتي وردت في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ وأهمّها:

- المفهوم الجديد للمناهج.
- انفتاح المناهج على عالم الحياة.
- مواكبة الحضارة المعاصرة.
- ربط التعليم العام بالتعليم المهني والتقني.
- ربط المناهج بالتعليم العالي.
- إغناء شخصيّة المتعلّمِ بأبعاد الفنون الجميلة.


وقد تجلّى ذلك أيضًا في هذا الربط المتدرّج بين الحلقات المختلفة، وفي تزويد المتعلّمِ بالخبرات الثقافيّة واللّغويّة الّتي تمكّنه، مع نهاية الحلقة الثالثة، من الانتقال إلى التعليم المهنيّ والتقنيّ.
 

المبدأ السادس:
الجمع بين المدرستين المثاليّة والواقعيّة الّتي تهدف من خلال التعلّمُ والتثقيف، الوصول بالتلميذ إلى مثال معيّن، غايته التّسامي على الذّات والتطلّعُ إلى المطلق، والمدرسة الواقعيّة الّتي تعتمد على واقع المتعلّمِ، بما هو في ذاتيّته، وبما هو في بيئة معيّنة وفي زمان محدّد انطلاقًا من الإيمان بأن لا حقائق مطلقة، ولهذا يجب التركيز على العلوم والأشياء المحسوسة.


المبدأ السّابع:
الالتزام بالثقافة الوطنيّة وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة وعلى مستجدّات العصر، علمًا أنّ هذا الالتزام يشكِّل مشاركة إيجابيّة في تطوير هذه الثقافات وإغنائها والالتزام بها.


المبدأ الثامن:
انفتاح المناهج على عالم الحياة ومواكبتها للعصر من خلال إدخال موادّ دراسيّة جديدة وموضوعات إنسانيّة هي سمة الحضارة المعاصرة، في وقت دخلنا فيه القرن الواحد والعشرين.
ولا بدّ لنا في هذا السّياق من التّركيز على الأسس والمبادئ الّتي اعتُمِدَت في منهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها، والّتي يمكن تلخيصها بالآتي:
- وضع الأهداف العامّة لمنهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها.
- تحديد الأهداف الخاصّة.
- الوسائل والطرق الناشطة لتطبيق الأهداف العامّة والخاصّة.
- عمليّة التقييم والامتحانات، حيث يطبّق لأوّل مرّة في لبنان، نظام تقييم جديد، هو نظام التقييم بالكفايات.


هذه باختصار أهمّ الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، مع التأكيد أنّ هذه المناهج ليست جامدة أو محنّطة بل هي متحرّكة باستمرار، ولهذا فقد بدأ المركز التربوي للبحوث والإنماء يعدّ العدّة للبدء بعمليّة إعادة نظر
ومراجعة وتصويب لتدارك الهفوات والثغرات الّتي تعتري هذه المناهج.
وهكذا نجد أنّ المناهج الجديدة قد خطت خطوات نوعيّة جبّارة، من حيث النظريّة والممارسة والتطبيق، ولكنّها تحتاج إلى تعديل بعض محتوياتها وتصويب مسارها، وذلك بالاستفادة من مراجعة الثغرات الّتي حلّت بها، في مرحلتها التجريبيّة الأولى، وهذا ما نصَّت عليه خطّة النهوض
التربويّ الّتي لن تتكامل حلقة المناهج إلاّ باستكمالها (البناء المدرسيّ - إعداد المعلّم - التجهيزات - القدرات المادّيّة...).


وفي مرحلة إعادة النظر في المناهج، نتمنّى أن يكون العمل أكثر تجانسًا وتلاؤمًا وارتباطًا بين اللّجان الّتي ستتولى الأعمال المتعلّقة بكلّ مرحلة وأعمال سائر لجان مادّة اللّغة العربيّة وآدابها الّتي ستتولّى اختيار النصوص وطرق مقاربة تحليلها.
وعلى هذا الأساس، فإنّنا نقترح التّشديد على النقاط الآتية:


١. إعادة قراءة النصوص المختارة في المرحلة الثانويّة، وحذف ما لا يناسب التوجّهُات التربويّة الوطنيّة الكبرى.
٢. صياغة خطّة متكاملة، في تحليل النّصّ، باعتباره كُلاّ متماسكًا، في نطاق ما يُسمّى "الوحدة النّصّيِةَّ"، بحيث تكون القواعد الوظيفيّة جزءًا لا ينفصل من بنية دراسة النّصّ.

٣. إعادة النّظر في نصاب التّدريس والحصص المخصّصة لتدريس اللّغة العربيّة كلغة أمّ أساسيّة؛ وما إذا كان ينبغي زيادة حصص التّدريس.
٤. تخصيص حصص مستقلّة لتدريس القواعد في المرحلة الثانويّة، فضلاً عن تدريسها وظيفيّاً من خلال نصوص الأدب والتعبير.
٥. إعادة النظر في المصطلحات الجديدة، بعد توحيد مفاهيمها ودلالاتها وتعميم هذه المفاهيم الحديثة على مدى الحلقات التعليميّة كافّةً، بحيث يتعرّف التلميذ، وبصورة تدريجيّة، بدءًا من المرحلة الابتدائيّة، وحتّى الثانويّة على هذه المفاهيم الأساسيّة، وذلك لإتقان معرفتها وحسن استخدامها.
٦. دمج نظام التقييم بأنواعه الثلاثة، في صلب الدّراسة، أثناء العام الدراسي؛ لأنّ التقييم التكويني، يشكّل النقطة المركزيّة في عمليّة التعليم/التعلّم. وبذلك لا يبقى عمل المعلّم ضائعًا ومشتّتًا في ما بين دراسة النصوص وعمليّة تقييم المعلّم/المتعلّمِ.
٧. إنشاء لجنة تدريب متخصّصِة وأساتذة مختصّيِن للقيام بهذه المهمّة، وبذلك تتوحّد الرؤية المنهجيّة وطرق التدريس ضمن استراتيجيّة واحدة ذات أهداف مشتركة وغايات واضحة تحقّق مرامي المناهج التربوية الجديدة.


رئيس قسم اللّغة العربيّة وآدابها
في المركز التربوي للبحوث والإنماء
عمر بو عرم

 

المصادر والمراجع
- خطّة النهوض التربوي: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- الهيكليّة الجديدة للتعليم في لبنان: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- مناهج التعليم العام وأهدافها: المرسوم رقم ١٠٢٢٧
.

الأسُس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة

الأسُس والمبادئ
الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد
المناهج التربويّة الجديدة

قبل البدء بتحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء، في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، لا بدّ لنا من إلقاء نظرة سريعة على بعض المفاهيم المختلفة للمنهج.
المنهج هو خطّة العمل، وهو في الميدان المدرسيّ يشمل أنواع الخبرات والموادّ التعليميّة وأساليب إيصالها إلى التلاميذ.
وأمّا أهمّيّته فتظهر في أنّه نوع من التشريع، يُقصد به تنظيم العمليّة التعليميّة وتوجيهها نحو مراميها المنشودة؛ فالتربية على اختلاف أنواعها تستوجب أنواعًا من المناهج تحقّق غاياتها وهي أشبه بالقوانين التشريعيّة الّتي تكفل التقدّم والحياة الفُضلى، والأعمال الّتي يزاولها الفرد وتكون أحيانًا فجائيّة، لأنّ الباعث إليها دافع فجائي. وقد تكون هذه الأعمال أحيانًا أخرى من الأهمّيّة بحيث تحتاج إلى تفكيرٍ سابقٍ، وبحثٍ طويلٍ، ومنها التعلّمُ ومظاهر التفكير السّابق الّذي ثمرته هي المنهج الدّراسي.
ولقد تطوّر التعريف بالمنهج مع تطوُّر النظريّات التربويّة الّتي أسبغت عليه أكثر من مفهوم بالنسبة إلى كلّ نظريّة. فالتربية التقليديّة كانت تنظر إلى المنهج على أنّه مجموعة موادّ دراسيّة مركّزة بالدرجة الأولى حول الكتاب المدرسيّ من دون اعتبارٍ كافٍ لإنماء القدرات الشخصيّةَ لدى المتعلّمِ، بينما أصبحت التربية الحديثة، أو المُتجدّدِة تنظر إلى المتعلّمِ على أنّه العنصر الأساس في التربية، وأنّ المعلّمِ يقوم بدور الوسيط بين المتعلّمِ والمنهج.
وكي يأتي المنهج منسجمًا مع هذه النظريّة كان عليه أن يتضمّنَ فضلاً عن إعداد التلميذ لحياة المستقبل، تنمية شخصيّته، وتوسيع خبراته من خلال حياته اليوميّة الحاضرة. وهو بالتالي لا يعبّرِ عن محتوى تربوي - تعليمي وحسب، بقدر ما يعبّرِ عن أهداف وغايات تربويةّ مُتَرجَمَة إلى موادّ تعليميّة قابلة بدورها للترجمة إلى أنماط سلوكيّة
عند المتعلّمِين.

ق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في ضوء ما تقدم، وبالاستند إلى الدّراسات العلميّة، يمكننا التأكيد أنّ المنهج، بالمفهوم الحديث، هو ركيزة أساسيّة للعمليّة التعليميّة، وهو العمود الفقري للمؤسّسة التعليميّة، وبذلك فهو يسعى إلى أهداف ثلاثة: نقل المعلومات، نقد المعلومات، وإنتاج المعلومات.
ثمّ إنّ المناهج هي عمليّة مركّبة من أربعة عناصر: الأهداف، المضمون، الوسائل والأنشطة، التقييم؛ ولا تستقيم مناهج من دون تكامل هذه العناصر الأربعة وتناغمها.


وعليه، يمكننا تحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، بالآتي:

المبدأ الأوّل:
الإنسان هو المحور وهو الغاية، بشخصيّته الفرديّة والاجتماعيّة والمواطنيّة، وبأبعاده الجسديّة والعقليّة والروحيّة.
وقد ورد في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ أنّ المناهج حدّدت أهدافها العامّة بالإجابة عن سؤال: أيّ مواطن وأيّ إنسان نريد؟


وانطلاقًا من ذلك ،نذكر ما ورد في الأهداف العامّة للمناهج:
- "الإيمان والالتزام بالقيَم والمبادئ الإنسانيّة.
- الوعي بأنّ التراث الروحي في لبنان هو تراث يجب صونه.
- الالتزام بالثقافة الوطنيّة، وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة، وعلى مستجدّات العصر
".


المبدأ الثاني:
احترام الدستور، وهذا لا يعني الامتناع عن المعارضة، أو العمل بهدف التعديل أو التغيير بحسب الأصول الدستوريّة وبالطرق الديمقراطيّة. ويمكن التوقّف بصورة خاصّة عند الفقرات الآتية من الدستور اللّبناني:
- "لبنان وطن سيّدِ حر ّمستقلّ (مقدّمِة الدستور، الفقرة أ).
- لبنان عربيّ الهوّيّة والانتماء (مقدّمِة الدستور، الفقرة ب).
- لبنان جمهوريّة برلمانيّة تقوم على احترام الحرّيات العامّة، وفي طليعتها حرّية الرأي والمعتقد... (مقدّمة الدستور، الفقرة ج).
- التعليم حرّ في لبنان ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو ينافِ الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان (الدستور اللّبناني، المادّة ١٠)".


وتمكن الإشارة إلى أنّ موضوع الحرّية تجسَّد في المناهج التربويّة الجديدة من حيث التخلّصُ من النصوص المفروضة والمحدّدَة والخروج إلى أفق الاختيار، بما يحقّقِ الانسجام بين المبدأ والهدف والمحتوى.


المبدأ الثالث:
الالتزام "بخطّة النهوض التربويّ" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٤/٨/١٧ ، والّتي ورد فيها أنّها ترمي إلى:
"تعزيز الانتماء والانصهار الوطنيّين، والانفتاح الروحي والثقافي وذلك من خلال إعادة النظر في المناهج التربويّةَ وتطويرها".


المبدأ الرابع:
الالتزام "بالهيكليّة الجديدة للتّعليم في لبنان" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٥/١٠/٢٥ والّتي جاء في مقدّمة فصلها الأوّل:
"أصبح كلّ من يتعاطى الشأن التربويّ في لبنان على اقتناع تامّ بأنّه لا بدّ من إخضاع المناهج التعليميّة إلى عمليّة تطوير جذريّةَ، لسبب جوهريّ بسيط هو أنّ هذه المناهج بقيت جامدة ولم يمسّها تعديل أو تغيير يذكر منذ صدورها قبل ربع قرن، وهي فترة زمنيّة شهدت تطوّرات هامّة في مختلف أنواع المعارف والعلوم والفنون إلى درجة أنّه لم يعد مستغربًا أن يكتشف المرء أنّ تلميذنا في لبنان يستقي من جهاز التلفزيون والكومبيوتر، معلومات تجعل ما يتعلّمه من المناهج الدّراسيّة وكأنّه إلى حدّ كبير ينتمي إلى عالم آخر".


هذا التطوّر المتسارع في العالم كان بصورة خاصّة سمة الربع الأخير من القرن الماضي. فلم تستطع المناهج في لبنان أن تلحق بالركب الحضاريّ بسبب الحرب المدمّرِة الّتي شغلت معظم سنوات هذه الفترة ذاتها، فأصبح التخلّفُ مُضاعفًا بسبب التقدّمُ الهائل من جهة، والشّلل أو فقدان
القدرة على التحرُّك أو الاستجابة من جهة ثانية.
لذا كان على المركز التربويّ، وبالتعاون مع المؤسّسات التربويّةَ في القطاعين الرسميّ والخاصّ، أن يبدأ ورشة تغيير المناهج التربويّة وتحديثها لتماشي روح العصر وتفتح أمام أجيال لبنان آفاق المستقبل.


المبدأ الخامس:
التصدّي لأهمّ شوائب المناهج الّتي كانت مُعتمدة سابقًا بعد دراستها وتحليلها وفرزها، والالتزام بالتجديد من حيث النقاط الّتي وردت في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ وأهمّها:

- المفهوم الجديد للمناهج.
- انفتاح المناهج على عالم الحياة.
- مواكبة الحضارة المعاصرة.
- ربط التعليم العام بالتعليم المهني والتقني.
- ربط المناهج بالتعليم العالي.
- إغناء شخصيّة المتعلّمِ بأبعاد الفنون الجميلة.


وقد تجلّى ذلك أيضًا في هذا الربط المتدرّج بين الحلقات المختلفة، وفي تزويد المتعلّمِ بالخبرات الثقافيّة واللّغويّة الّتي تمكّنه، مع نهاية الحلقة الثالثة، من الانتقال إلى التعليم المهنيّ والتقنيّ.
 

المبدأ السادس:
الجمع بين المدرستين المثاليّة والواقعيّة الّتي تهدف من خلال التعلّمُ والتثقيف، الوصول بالتلميذ إلى مثال معيّن، غايته التّسامي على الذّات والتطلّعُ إلى المطلق، والمدرسة الواقعيّة الّتي تعتمد على واقع المتعلّمِ، بما هو في ذاتيّته، وبما هو في بيئة معيّنة وفي زمان محدّد انطلاقًا من الإيمان بأن لا حقائق مطلقة، ولهذا يجب التركيز على العلوم والأشياء المحسوسة.


المبدأ السّابع:
الالتزام بالثقافة الوطنيّة وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة وعلى مستجدّات العصر، علمًا أنّ هذا الالتزام يشكِّل مشاركة إيجابيّة في تطوير هذه الثقافات وإغنائها والالتزام بها.


المبدأ الثامن:
انفتاح المناهج على عالم الحياة ومواكبتها للعصر من خلال إدخال موادّ دراسيّة جديدة وموضوعات إنسانيّة هي سمة الحضارة المعاصرة، في وقت دخلنا فيه القرن الواحد والعشرين.
ولا بدّ لنا في هذا السّياق من التّركيز على الأسس والمبادئ الّتي اعتُمِدَت في منهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها، والّتي يمكن تلخيصها بالآتي:
- وضع الأهداف العامّة لمنهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها.
- تحديد الأهداف الخاصّة.
- الوسائل والطرق الناشطة لتطبيق الأهداف العامّة والخاصّة.
- عمليّة التقييم والامتحانات، حيث يطبّق لأوّل مرّة في لبنان، نظام تقييم جديد، هو نظام التقييم بالكفايات.


هذه باختصار أهمّ الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، مع التأكيد أنّ هذه المناهج ليست جامدة أو محنّطة بل هي متحرّكة باستمرار، ولهذا فقد بدأ المركز التربوي للبحوث والإنماء يعدّ العدّة للبدء بعمليّة إعادة نظر
ومراجعة وتصويب لتدارك الهفوات والثغرات الّتي تعتري هذه المناهج.
وهكذا نجد أنّ المناهج الجديدة قد خطت خطوات نوعيّة جبّارة، من حيث النظريّة والممارسة والتطبيق، ولكنّها تحتاج إلى تعديل بعض محتوياتها وتصويب مسارها، وذلك بالاستفادة من مراجعة الثغرات الّتي حلّت بها، في مرحلتها التجريبيّة الأولى، وهذا ما نصَّت عليه خطّة النهوض
التربويّ الّتي لن تتكامل حلقة المناهج إلاّ باستكمالها (البناء المدرسيّ - إعداد المعلّم - التجهيزات - القدرات المادّيّة...).


وفي مرحلة إعادة النظر في المناهج، نتمنّى أن يكون العمل أكثر تجانسًا وتلاؤمًا وارتباطًا بين اللّجان الّتي ستتولى الأعمال المتعلّقة بكلّ مرحلة وأعمال سائر لجان مادّة اللّغة العربيّة وآدابها الّتي ستتولّى اختيار النصوص وطرق مقاربة تحليلها.
وعلى هذا الأساس، فإنّنا نقترح التّشديد على النقاط الآتية:


١. إعادة قراءة النصوص المختارة في المرحلة الثانويّة، وحذف ما لا يناسب التوجّهُات التربويّة الوطنيّة الكبرى.
٢. صياغة خطّة متكاملة، في تحليل النّصّ، باعتباره كُلاّ متماسكًا، في نطاق ما يُسمّى "الوحدة النّصّيِةَّ"، بحيث تكون القواعد الوظيفيّة جزءًا لا ينفصل من بنية دراسة النّصّ.

٣. إعادة النّظر في نصاب التّدريس والحصص المخصّصة لتدريس اللّغة العربيّة كلغة أمّ أساسيّة؛ وما إذا كان ينبغي زيادة حصص التّدريس.
٤. تخصيص حصص مستقلّة لتدريس القواعد في المرحلة الثانويّة، فضلاً عن تدريسها وظيفيّاً من خلال نصوص الأدب والتعبير.
٥. إعادة النظر في المصطلحات الجديدة، بعد توحيد مفاهيمها ودلالاتها وتعميم هذه المفاهيم الحديثة على مدى الحلقات التعليميّة كافّةً، بحيث يتعرّف التلميذ، وبصورة تدريجيّة، بدءًا من المرحلة الابتدائيّة، وحتّى الثانويّة على هذه المفاهيم الأساسيّة، وذلك لإتقان معرفتها وحسن استخدامها.
٦. دمج نظام التقييم بأنواعه الثلاثة، في صلب الدّراسة، أثناء العام الدراسي؛ لأنّ التقييم التكويني، يشكّل النقطة المركزيّة في عمليّة التعليم/التعلّم. وبذلك لا يبقى عمل المعلّم ضائعًا ومشتّتًا في ما بين دراسة النصوص وعمليّة تقييم المعلّم/المتعلّمِ.
٧. إنشاء لجنة تدريب متخصّصِة وأساتذة مختصّيِن للقيام بهذه المهمّة، وبذلك تتوحّد الرؤية المنهجيّة وطرق التدريس ضمن استراتيجيّة واحدة ذات أهداف مشتركة وغايات واضحة تحقّق مرامي المناهج التربوية الجديدة.


رئيس قسم اللّغة العربيّة وآدابها
في المركز التربوي للبحوث والإنماء
عمر بو عرم

 

المصادر والمراجع
- خطّة النهوض التربوي: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- الهيكليّة الجديدة للتعليم في لبنان: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- مناهج التعليم العام وأهدافها: المرسوم رقم ١٠٢٢٧
.

الأسُس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة

الأسُس والمبادئ
الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء في إعداد
المناهج التربويّة الجديدة

قبل البدء بتحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربويّ للبحوث والإنماء، في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، لا بدّ لنا من إلقاء نظرة سريعة على بعض المفاهيم المختلفة للمنهج.
المنهج هو خطّة العمل، وهو في الميدان المدرسيّ يشمل أنواع الخبرات والموادّ التعليميّة وأساليب إيصالها إلى التلاميذ.
وأمّا أهمّيّته فتظهر في أنّه نوع من التشريع، يُقصد به تنظيم العمليّة التعليميّة وتوجيهها نحو مراميها المنشودة؛ فالتربية على اختلاف أنواعها تستوجب أنواعًا من المناهج تحقّق غاياتها وهي أشبه بالقوانين التشريعيّة الّتي تكفل التقدّم والحياة الفُضلى، والأعمال الّتي يزاولها الفرد وتكون أحيانًا فجائيّة، لأنّ الباعث إليها دافع فجائي. وقد تكون هذه الأعمال أحيانًا أخرى من الأهمّيّة بحيث تحتاج إلى تفكيرٍ سابقٍ، وبحثٍ طويلٍ، ومنها التعلّمُ ومظاهر التفكير السّابق الّذي ثمرته هي المنهج الدّراسي.
ولقد تطوّر التعريف بالمنهج مع تطوُّر النظريّات التربويّة الّتي أسبغت عليه أكثر من مفهوم بالنسبة إلى كلّ نظريّة. فالتربية التقليديّة كانت تنظر إلى المنهج على أنّه مجموعة موادّ دراسيّة مركّزة بالدرجة الأولى حول الكتاب المدرسيّ من دون اعتبارٍ كافٍ لإنماء القدرات الشخصيّةَ لدى المتعلّمِ، بينما أصبحت التربية الحديثة، أو المُتجدّدِة تنظر إلى المتعلّمِ على أنّه العنصر الأساس في التربية، وأنّ المعلّمِ يقوم بدور الوسيط بين المتعلّمِ والمنهج.
وكي يأتي المنهج منسجمًا مع هذه النظريّة كان عليه أن يتضمّنَ فضلاً عن إعداد التلميذ لحياة المستقبل، تنمية شخصيّته، وتوسيع خبراته من خلال حياته اليوميّة الحاضرة. وهو بالتالي لا يعبّرِ عن محتوى تربوي - تعليمي وحسب، بقدر ما يعبّرِ عن أهداف وغايات تربويةّ مُتَرجَمَة إلى موادّ تعليميّة قابلة بدورها للترجمة إلى أنماط سلوكيّة
عند المتعلّمِين.

ق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في ضوء ما تقدم، وبالاستند إلى الدّراسات العلميّة، يمكننا التأكيد أنّ المنهج، بالمفهوم الحديث، هو ركيزة أساسيّة للعمليّة التعليميّة، وهو العمود الفقري للمؤسّسة التعليميّة، وبذلك فهو يسعى إلى أهداف ثلاثة: نقل المعلومات، نقد المعلومات، وإنتاج المعلومات.
ثمّ إنّ المناهج هي عمليّة مركّبة من أربعة عناصر: الأهداف، المضمون، الوسائل والأنشطة، التقييم؛ ولا تستقيم مناهج من دون تكامل هذه العناصر الأربعة وتناغمها.


وعليه، يمكننا تحديد الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، بالآتي:

المبدأ الأوّل:
الإنسان هو المحور وهو الغاية، بشخصيّته الفرديّة والاجتماعيّة والمواطنيّة، وبأبعاده الجسديّة والعقليّة والروحيّة.
وقد ورد في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ أنّ المناهج حدّدت أهدافها العامّة بالإجابة عن سؤال: أيّ مواطن وأيّ إنسان نريد؟


وانطلاقًا من ذلك ،نذكر ما ورد في الأهداف العامّة للمناهج:
- "الإيمان والالتزام بالقيَم والمبادئ الإنسانيّة.
- الوعي بأنّ التراث الروحي في لبنان هو تراث يجب صونه.
- الالتزام بالثقافة الوطنيّة، وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة، وعلى مستجدّات العصر
".


المبدأ الثاني:
احترام الدستور، وهذا لا يعني الامتناع عن المعارضة، أو العمل بهدف التعديل أو التغيير بحسب الأصول الدستوريّة وبالطرق الديمقراطيّة. ويمكن التوقّف بصورة خاصّة عند الفقرات الآتية من الدستور اللّبناني:
- "لبنان وطن سيّدِ حر ّمستقلّ (مقدّمِة الدستور، الفقرة أ).
- لبنان عربيّ الهوّيّة والانتماء (مقدّمِة الدستور، الفقرة ب).
- لبنان جمهوريّة برلمانيّة تقوم على احترام الحرّيات العامّة، وفي طليعتها حرّية الرأي والمعتقد... (مقدّمة الدستور، الفقرة ج).
- التعليم حرّ في لبنان ما لم يخلّ بالنظام العامّ أو ينافِ الآداب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان (الدستور اللّبناني، المادّة ١٠)".


وتمكن الإشارة إلى أنّ موضوع الحرّية تجسَّد في المناهج التربويّة الجديدة من حيث التخلّصُ من النصوص المفروضة والمحدّدَة والخروج إلى أفق الاختيار، بما يحقّقِ الانسجام بين المبدأ والهدف والمحتوى.


المبدأ الثالث:
الالتزام "بخطّة النهوض التربويّ" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٤/٨/١٧ ، والّتي ورد فيها أنّها ترمي إلى:
"تعزيز الانتماء والانصهار الوطنيّين، والانفتاح الروحي والثقافي وذلك من خلال إعادة النظر في المناهج التربويّةَ وتطويرها".


المبدأ الرابع:
الالتزام "بالهيكليّة الجديدة للتّعليم في لبنان" الّتي أقرَّها مجلس الوزراء بتاريخ ١٩٩٥/١٠/٢٥ والّتي جاء في مقدّمة فصلها الأوّل:
"أصبح كلّ من يتعاطى الشأن التربويّ في لبنان على اقتناع تامّ بأنّه لا بدّ من إخضاع المناهج التعليميّة إلى عمليّة تطوير جذريّةَ، لسبب جوهريّ بسيط هو أنّ هذه المناهج بقيت جامدة ولم يمسّها تعديل أو تغيير يذكر منذ صدورها قبل ربع قرن، وهي فترة زمنيّة شهدت تطوّرات هامّة في مختلف أنواع المعارف والعلوم والفنون إلى درجة أنّه لم يعد مستغربًا أن يكتشف المرء أنّ تلميذنا في لبنان يستقي من جهاز التلفزيون والكومبيوتر، معلومات تجعل ما يتعلّمه من المناهج الدّراسيّة وكأنّه إلى حدّ كبير ينتمي إلى عالم آخر".


هذا التطوّر المتسارع في العالم كان بصورة خاصّة سمة الربع الأخير من القرن الماضي. فلم تستطع المناهج في لبنان أن تلحق بالركب الحضاريّ بسبب الحرب المدمّرِة الّتي شغلت معظم سنوات هذه الفترة ذاتها، فأصبح التخلّفُ مُضاعفًا بسبب التقدّمُ الهائل من جهة، والشّلل أو فقدان
القدرة على التحرُّك أو الاستجابة من جهة ثانية.
لذا كان على المركز التربويّ، وبالتعاون مع المؤسّسات التربويّةَ في القطاعين الرسميّ والخاصّ، أن يبدأ ورشة تغيير المناهج التربويّة وتحديثها لتماشي روح العصر وتفتح أمام أجيال لبنان آفاق المستقبل.


المبدأ الخامس:
التصدّي لأهمّ شوائب المناهج الّتي كانت مُعتمدة سابقًا بعد دراستها وتحليلها وفرزها، والالتزام بالتجديد من حيث النقاط الّتي وردت في الأسباب الموجبة للمرسوم رقم ١٠٢٢٧ وأهمّها:

- المفهوم الجديد للمناهج.
- انفتاح المناهج على عالم الحياة.
- مواكبة الحضارة المعاصرة.
- ربط التعليم العام بالتعليم المهني والتقني.
- ربط المناهج بالتعليم العالي.
- إغناء شخصيّة المتعلّمِ بأبعاد الفنون الجميلة.


وقد تجلّى ذلك أيضًا في هذا الربط المتدرّج بين الحلقات المختلفة، وفي تزويد المتعلّمِ بالخبرات الثقافيّة واللّغويّة الّتي تمكّنه، مع نهاية الحلقة الثالثة، من الانتقال إلى التعليم المهنيّ والتقنيّ.
 

المبدأ السادس:
الجمع بين المدرستين المثاليّة والواقعيّة الّتي تهدف من خلال التعلّمُ والتثقيف، الوصول بالتلميذ إلى مثال معيّن، غايته التّسامي على الذّات والتطلّعُ إلى المطلق، والمدرسة الواقعيّة الّتي تعتمد على واقع المتعلّمِ، بما هو في ذاتيّته، وبما هو في بيئة معيّنة وفي زمان محدّد انطلاقًا من الإيمان بأن لا حقائق مطلقة، ولهذا يجب التركيز على العلوم والأشياء المحسوسة.


المبدأ السّابع:
الالتزام بالثقافة الوطنيّة وبوجوب الانفتاح على الثقافات العالميّة والقيم الإنسانيّة وعلى مستجدّات العصر، علمًا أنّ هذا الالتزام يشكِّل مشاركة إيجابيّة في تطوير هذه الثقافات وإغنائها والالتزام بها.


المبدأ الثامن:
انفتاح المناهج على عالم الحياة ومواكبتها للعصر من خلال إدخال موادّ دراسيّة جديدة وموضوعات إنسانيّة هي سمة الحضارة المعاصرة، في وقت دخلنا فيه القرن الواحد والعشرين.
ولا بدّ لنا في هذا السّياق من التّركيز على الأسس والمبادئ الّتي اعتُمِدَت في منهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها، والّتي يمكن تلخيصها بالآتي:
- وضع الأهداف العامّة لمنهج مادّة اللّغة العربيّة وآدابها.
- تحديد الأهداف الخاصّة.
- الوسائل والطرق الناشطة لتطبيق الأهداف العامّة والخاصّة.
- عمليّة التقييم والامتحانات، حيث يطبّق لأوّل مرّة في لبنان، نظام تقييم جديد، هو نظام التقييم بالكفايات.


هذه باختصار أهمّ الأسس والمبادئ الّتي اعتمدها المركز التربوي للبحوث والإنماء في إعداد المناهج التربويّة الجديدة، مع التأكيد أنّ هذه المناهج ليست جامدة أو محنّطة بل هي متحرّكة باستمرار، ولهذا فقد بدأ المركز التربوي للبحوث والإنماء يعدّ العدّة للبدء بعمليّة إعادة نظر
ومراجعة وتصويب لتدارك الهفوات والثغرات الّتي تعتري هذه المناهج.
وهكذا نجد أنّ المناهج الجديدة قد خطت خطوات نوعيّة جبّارة، من حيث النظريّة والممارسة والتطبيق، ولكنّها تحتاج إلى تعديل بعض محتوياتها وتصويب مسارها، وذلك بالاستفادة من مراجعة الثغرات الّتي حلّت بها، في مرحلتها التجريبيّة الأولى، وهذا ما نصَّت عليه خطّة النهوض
التربويّ الّتي لن تتكامل حلقة المناهج إلاّ باستكمالها (البناء المدرسيّ - إعداد المعلّم - التجهيزات - القدرات المادّيّة...).


وفي مرحلة إعادة النظر في المناهج، نتمنّى أن يكون العمل أكثر تجانسًا وتلاؤمًا وارتباطًا بين اللّجان الّتي ستتولى الأعمال المتعلّقة بكلّ مرحلة وأعمال سائر لجان مادّة اللّغة العربيّة وآدابها الّتي ستتولّى اختيار النصوص وطرق مقاربة تحليلها.
وعلى هذا الأساس، فإنّنا نقترح التّشديد على النقاط الآتية:


١. إعادة قراءة النصوص المختارة في المرحلة الثانويّة، وحذف ما لا يناسب التوجّهُات التربويّة الوطنيّة الكبرى.
٢. صياغة خطّة متكاملة، في تحليل النّصّ، باعتباره كُلاّ متماسكًا، في نطاق ما يُسمّى "الوحدة النّصّيِةَّ"، بحيث تكون القواعد الوظيفيّة جزءًا لا ينفصل من بنية دراسة النّصّ.

٣. إعادة النّظر في نصاب التّدريس والحصص المخصّصة لتدريس اللّغة العربيّة كلغة أمّ أساسيّة؛ وما إذا كان ينبغي زيادة حصص التّدريس.
٤. تخصيص حصص مستقلّة لتدريس القواعد في المرحلة الثانويّة، فضلاً عن تدريسها وظيفيّاً من خلال نصوص الأدب والتعبير.
٥. إعادة النظر في المصطلحات الجديدة، بعد توحيد مفاهيمها ودلالاتها وتعميم هذه المفاهيم الحديثة على مدى الحلقات التعليميّة كافّةً، بحيث يتعرّف التلميذ، وبصورة تدريجيّة، بدءًا من المرحلة الابتدائيّة، وحتّى الثانويّة على هذه المفاهيم الأساسيّة، وذلك لإتقان معرفتها وحسن استخدامها.
٦. دمج نظام التقييم بأنواعه الثلاثة، في صلب الدّراسة، أثناء العام الدراسي؛ لأنّ التقييم التكويني، يشكّل النقطة المركزيّة في عمليّة التعليم/التعلّم. وبذلك لا يبقى عمل المعلّم ضائعًا ومشتّتًا في ما بين دراسة النصوص وعمليّة تقييم المعلّم/المتعلّمِ.
٧. إنشاء لجنة تدريب متخصّصِة وأساتذة مختصّيِن للقيام بهذه المهمّة، وبذلك تتوحّد الرؤية المنهجيّة وطرق التدريس ضمن استراتيجيّة واحدة ذات أهداف مشتركة وغايات واضحة تحقّق مرامي المناهج التربوية الجديدة.


رئيس قسم اللّغة العربيّة وآدابها
في المركز التربوي للبحوث والإنماء
عمر بو عرم

 

المصادر والمراجع
- خطّة النهوض التربوي: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- الهيكليّة الجديدة للتعليم في لبنان: المركز التربوي للبحوث والإنماء.
- مناهج التعليم العام وأهدافها: المرسوم رقم ١٠٢٢٧
.