رؤيا ليتنا صدّقناها

د. أسعد السكاف أستاذ جامعي-باحث وناقد وشاعر

رؤيا ليتنا صدّقناها

كلمة الدكتور أسعد السكاف تذكّرنا بما عبّرَ عنه مرارًا الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هوغو (Victor Hugo ) حول دور الأدباء والشعراء  في بعث نهضة الأمم. يرى هوغو أنّ الشاعر صاحب رسالة ورؤيا. هو القائد والمنارة (Le poète mage, éclaireur et  visionnaire)  ألقى د. أسعد السكاف الضوء على هذه الناحية من شخصيّة المنذر الرؤَيوي-القائد. المنذر لم يكن يومًا ندّابًا أو شاكيًا أو باكيًا. المنذر أنذر فلم نسمعه فخربت البصرة! لذا بدا د. السكاف متشائمًا فعبّرَ في كلمته عن خيبة أمل ومرارة كبيرتين. د. السكاف لغويّ بامتياز. مارس مهنة التعليم ولم يزل. وهو أيضًا مراقبٌ دقيقٌ لما يجري على الساحتين الإعلاميّة والتربوية من انتهاكات يوميّة للّغُة العربيّةَ، لذا لا يمكنه إلاّ أن يكون واقعيّاً ويعترف متأسّفًا بأنّ الأوان قد فات وبأنّ الأمل بإنقاذ اللّغة الأمّ بات ضيئلاً جدّاً. ذلك أنّ أولادها تنكّروا لها وهجروها ليرتموا في أحضان غيرها. كلمة د. أسعد السكاف قاسية ولا عجب في ذلك فقول الحقيقة غالبًا ما يكون مؤلمِاً وجارحًا

 أسرة التحرير

 

للشّيخ المُنذِرِ، مآثِر شتّىَ، لا أُحيطُ بها عِلْمًا، وَلو أَحَطْتُ، فلن أُحيطَ بها قولاً. إِنّمَا، أكتفي بالإلماح إلى واحدةٍ، مراعيًا مقتضى الحال، أجِدُها شاهدًا على فرادَةِ شيخنا وتميّزُه. عَنَيْتُ: ''رؤيويّة المنْذِرِ اللّغَُويّةَ''. واَحصر الكلام في كِتابِهِ ''عَثَراتُ الأقلام''، الذي كان لي شَرَفُ تحقيقِهِ.

أمّاَ لماذا اخترتها من بين أخَواتٍ لها كثيرات، فلأنّهَا تُهَدْهِدُ جُرْحًا مقيمًا في الصَّدرِ يلازمني مُنْذُ شبابي. أمّاَ كيفَ؟ ولماذا؟ فإليكم الخبر.

كان لنا نحن جيلَ الخيبة، عتبٌ على شعراءِ حقبتنا، وكلّ مبدعٍ شاعرٌ، ما لبثَ هذا العَتَبُ أن تَحّوَّل مأخَذًا فاتّهامًا، يوم تخلّوَا، في معظمهم، عن مواقعهم؛ فمشَوا وراءنا، وكنّاَ نريدهم، كما تريدهم الحياة، أن يحتلّوا مواقعهم فيمشوا أمامنا. تخلّوا، وأكرّر، في معظمهم، عمّا خصَّتهم به الحياة التي حبتهم أعينًا نورانيّة يرون بها ما لم تكن تراه أعيُننا ويستشرفون برُؤاهم ما عجزت أبصارُنا عن أن تراه. فلم يفعلوا!

وبكلمةٍ لم يكن شعراءُ حقبتنا رؤيويّون بل كانوا إلى النَدّابين أقرب! تركونا سادرين في سيرنا نحو الهاوية، وعندما ابتلعتنا، أتَوا إلينا ونحن في حضيضِ الفاجعةِ يشاطروننا الأسى! وانبرى منهم كبيرٌ ليقول مشخِّصًا وناعبًا:

“سيوفنا أطولُ من قاماتنا''

فَصَفّقَنا له من ألم، ورقصنا له من جراحٍ!

تشخيصٌ دقيق و الله ! ولكن ليته قال لنا ذلك قبل خراب البصرة! ليته أيقظنا من سكرة خُطبِ قادتنا وصِحافيينا، وقال لنا سيوفكم أطول من قاماتكم، فاحذروا أن يبتلعكم التّنين! ليتَهُ فَعلَ ذلك، لكنّاَ، إمّا عملقنا قاماتِنا، وإمّا قزّمنا سيوفَنا خناجرَ! أمّا وقد تخلّفَ وجاء يندُب، فلا كانَ الشِّعْرُ ولا كانت الدنيا!

شيخنا ما كان ندّاَبًا، وما تخلّىَ عن موقع الشَّاعر، إنّما مشى أمامنا، ولم يخشَ أن تجرّحَ قدميهِ أشواك الرّيِادة أو وعورَةُ الطريق. وخَشْية الإطالة أختار موقفين رؤيويّين من كتاب المنذر لأثبت أنّ الحياةَ لم تُضَنّ علينا، ولن تضنّ،َ ما دام لبنان في خير عافيةٍ وما دامت عاصمتُهُ بيروتُ عاصمةً للكتابِ والكتّابِ والشعراءِ.

الأوّلُ بادٍ في قول الشّيخ: ''هذه لغتنا يا قوم، إذا أهملناها فقدْناها، وإذا فقدناها فإننا فاقدون معها مكانتنا ووطنيّتَنا بل وجودنا''.

''وإنّي لأوجس خِيفةً إذ أَراها تختلف منذ اليوم باختلاف الأقاليم وباختلاط العُجْمة فيها، فتمسي غريبة عنّاَ، ونمسي عنها غرباءَ وعن بلادنا. فلا يبقى لنا لغة ولا جنسيّة ولا قوميّة ولا وطن''.

أمّا الثاني، ففي إعلانه إِخفاق المجامع العلميّة واللّغويّة ما دامت تعمل وِحْدانا!

كان شيخنا عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ في دمشق. منذ ١٩٢٦.

وعضوًا مؤسّسًا في المجمع العلميّ العربيّ في بيروت.١٩٢٨.

ولم يَحْجُبْ أَلَقُ المَنْصِبَين عن بصيرته حقيقة استشرفها فَجَهَر بها من دون محاباة أو وجَل؛ عندما أعلن فَشَلَ المجامع اللّغُويّة وعجزها، ودعا إلى توحيدها في مَجْمَعٍ علميّ واحدٍ يكون مسؤولاً عن اللّغُةِ في حاضرها، وعاملاً على الحفاظ عليها في مستقبلها... دعا إلى هذا ولم ينتظر، إنّما واصل العمل مع أقرانه في المجمعين وظلّت رؤياه تغاويه في توحيد المجامع في مجمعٍ واحدٍ.

وبعد

كي أُخفّفِ من قسوة هذا الحكم،أعوّلِ على أمرين:

مدرسة البستان التي أنشأها المنذر عام 1910 بريشة الفنان التشكيلي جمال معلوف

الأوّل: استثني به شعراءَ يومِنا، لا محاباةً ولا زُلفى، بل لأنهم اكتوَوا بالنار التي بها اكتوينا، فهم، وبينَنا مِنْهمُ أعلامٌ والحمدّ لله،َ يحاولون أن ينهضوا بما أخفق فيه سابقوهم.

أمّا الثاني: فهو المسارعة إلى القول بأنه لا يكفي أن يكون في الأمّة شعراءُ رؤيويّونَ لتكونَ في مَنْجًى من المخاطر، إنّما لا بُدَّ من قادةٍ رؤيويّين يصدّقون الرؤيا، بل أقول أكثر لا بدّ من شَعْبٍ رؤيوي ينهض ملبّيًا. والتاريخ حافل بذِكْرِ العديد من القادة الرؤيويين الذين لاقوا التنكيل والتجريح من شعوبهم العاجزة عن الرؤيا.

أشير وبإيجاز إلى ثلاث:

الأولى:ا ستلُّها من تاريخنا القديم المضمّخ بعَبق الأسطورة. حكاية زرقاء اليمامة وتنكّر قومها لرؤياها، فهلكت وهلكوا.

الثانية: استلُّها من تاريخنا المعاصر من الحرب المشؤومة وهي رواية '' طواحين بيروت'' للأديب اللبناني الرؤيوي يوسف عَّواد رحمه الله. آلمه أن يرانا سائرين ببيروت وبلبنانَ إلى الخراب والدمار ونحن غافلون، فصاحَ بنا من حُرقةٍ، احذروا، فبيروتنا بل لبناننا آيل إلى الدمار. ولكننا لم نصدّق! ولَم نرعو، وذهبَ رحمه الله ضحيّة التنين الذي رآه آتيًا لابتلاع بيروت.

أمّا الثالثة، فمن تاريخ الحرب العالميّةَ الثانية، اقتبسها من دائرة المعارف الأميركية ملخّصها:

''بل متشل'' كولونيل في البحريّةَ الأميركية، يرفع تقريرًا للقيادة العليا يذيّله بملحوظة تقول: ''على القيادة الاهتمام بالسلاح الجوي من الآن فصاعدًا لأن المستقبل هو للقوّات الجويّة وليس للبحريّة''. يُهْمَلُ التقرير.

وفي تقريرٍ ثانٍ يُلِحّ ويُصرّ، فيضيق صدر القيادة ذرعًا، فتستدعيه تجرّده من رتبه، تحيله إلى التقاعد المبكّر. . وكان ذلك عام ١٩٢٦

عام ١٩٤١ . تقع كارثة بيرل هاربر.يُدَمَّر الأسطول الأميركي بغارة جويَّة يابانيّةَ واحدة. وبعد أن صَحَتِ القيادة من صَدْمتها، تستدعي ''بل متشل'' وللأسف والسخرية، يحضر ابنُه ويتسلّمَ الأوسمة التي كان جرّد منها أبوه، ويذهب ليضعها على شاهدة الضريح!

(encyl. Americana,Vol. 12, p.177)

(Vol. 21, p.450)

فليتنا سمعناك يا شيخ ابراهيم، وليتنا صدّقنا رؤياك عندما قلت لنا يا مُنْذِرًا: ''هذه لغتنا يا قوم إذا أهملناها فقدنا قوميّتنا بل وجودنا'' لو كنّا فعلنا وصدّقناك لما كانت أمّنُا اللّغُة العربيّةَ اليوم تستصرخ وتستغيث، ولما كان أبناؤها يعقُّونها ويهجرون حضنها إلى أحضان الضّرائر والسبايا...

ولكن هيهاتِ يا شيخَنا هيهات!

أقول هذا، وأعتذر إن كنت أسأت أو أخطأت، فا الله وراء القصدِ، وهو أعدل الحاكمينَ. والسلام عليكم وعلى من شاهدَ فشهد.

- رؤيا ليتنا صّدقناها:أُلقيت في تكريم ذكرى الشَّيخ ابراهيم المنذر في قصر الأونيسكو في ١٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

رؤيا ليتنا صدّقناها

د. أسعد السكاف أستاذ جامعي-باحث وناقد وشاعر

رؤيا ليتنا صدّقناها

كلمة الدكتور أسعد السكاف تذكّرنا بما عبّرَ عنه مرارًا الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هوغو (Victor Hugo ) حول دور الأدباء والشعراء  في بعث نهضة الأمم. يرى هوغو أنّ الشاعر صاحب رسالة ورؤيا. هو القائد والمنارة (Le poète mage, éclaireur et  visionnaire)  ألقى د. أسعد السكاف الضوء على هذه الناحية من شخصيّة المنذر الرؤَيوي-القائد. المنذر لم يكن يومًا ندّابًا أو شاكيًا أو باكيًا. المنذر أنذر فلم نسمعه فخربت البصرة! لذا بدا د. السكاف متشائمًا فعبّرَ في كلمته عن خيبة أمل ومرارة كبيرتين. د. السكاف لغويّ بامتياز. مارس مهنة التعليم ولم يزل. وهو أيضًا مراقبٌ دقيقٌ لما يجري على الساحتين الإعلاميّة والتربوية من انتهاكات يوميّة للّغُة العربيّةَ، لذا لا يمكنه إلاّ أن يكون واقعيّاً ويعترف متأسّفًا بأنّ الأوان قد فات وبأنّ الأمل بإنقاذ اللّغة الأمّ بات ضيئلاً جدّاً. ذلك أنّ أولادها تنكّروا لها وهجروها ليرتموا في أحضان غيرها. كلمة د. أسعد السكاف قاسية ولا عجب في ذلك فقول الحقيقة غالبًا ما يكون مؤلمِاً وجارحًا

 أسرة التحرير

 

للشّيخ المُنذِرِ، مآثِر شتّىَ، لا أُحيطُ بها عِلْمًا، وَلو أَحَطْتُ، فلن أُحيطَ بها قولاً. إِنّمَا، أكتفي بالإلماح إلى واحدةٍ، مراعيًا مقتضى الحال، أجِدُها شاهدًا على فرادَةِ شيخنا وتميّزُه. عَنَيْتُ: ''رؤيويّة المنْذِرِ اللّغَُويّةَ''. واَحصر الكلام في كِتابِهِ ''عَثَراتُ الأقلام''، الذي كان لي شَرَفُ تحقيقِهِ.

أمّاَ لماذا اخترتها من بين أخَواتٍ لها كثيرات، فلأنّهَا تُهَدْهِدُ جُرْحًا مقيمًا في الصَّدرِ يلازمني مُنْذُ شبابي. أمّاَ كيفَ؟ ولماذا؟ فإليكم الخبر.

كان لنا نحن جيلَ الخيبة، عتبٌ على شعراءِ حقبتنا، وكلّ مبدعٍ شاعرٌ، ما لبثَ هذا العَتَبُ أن تَحّوَّل مأخَذًا فاتّهامًا، يوم تخلّوَا، في معظمهم، عن مواقعهم؛ فمشَوا وراءنا، وكنّاَ نريدهم، كما تريدهم الحياة، أن يحتلّوا مواقعهم فيمشوا أمامنا. تخلّوا، وأكرّر، في معظمهم، عمّا خصَّتهم به الحياة التي حبتهم أعينًا نورانيّة يرون بها ما لم تكن تراه أعيُننا ويستشرفون برُؤاهم ما عجزت أبصارُنا عن أن تراه. فلم يفعلوا!

وبكلمةٍ لم يكن شعراءُ حقبتنا رؤيويّون بل كانوا إلى النَدّابين أقرب! تركونا سادرين في سيرنا نحو الهاوية، وعندما ابتلعتنا، أتَوا إلينا ونحن في حضيضِ الفاجعةِ يشاطروننا الأسى! وانبرى منهم كبيرٌ ليقول مشخِّصًا وناعبًا:

“سيوفنا أطولُ من قاماتنا''

فَصَفّقَنا له من ألم، ورقصنا له من جراحٍ!

تشخيصٌ دقيق و الله ! ولكن ليته قال لنا ذلك قبل خراب البصرة! ليته أيقظنا من سكرة خُطبِ قادتنا وصِحافيينا، وقال لنا سيوفكم أطول من قاماتكم، فاحذروا أن يبتلعكم التّنين! ليتَهُ فَعلَ ذلك، لكنّاَ، إمّا عملقنا قاماتِنا، وإمّا قزّمنا سيوفَنا خناجرَ! أمّا وقد تخلّفَ وجاء يندُب، فلا كانَ الشِّعْرُ ولا كانت الدنيا!

شيخنا ما كان ندّاَبًا، وما تخلّىَ عن موقع الشَّاعر، إنّما مشى أمامنا، ولم يخشَ أن تجرّحَ قدميهِ أشواك الرّيِادة أو وعورَةُ الطريق. وخَشْية الإطالة أختار موقفين رؤيويّين من كتاب المنذر لأثبت أنّ الحياةَ لم تُضَنّ علينا، ولن تضنّ،َ ما دام لبنان في خير عافيةٍ وما دامت عاصمتُهُ بيروتُ عاصمةً للكتابِ والكتّابِ والشعراءِ.

الأوّلُ بادٍ في قول الشّيخ: ''هذه لغتنا يا قوم، إذا أهملناها فقدْناها، وإذا فقدناها فإننا فاقدون معها مكانتنا ووطنيّتَنا بل وجودنا''.

''وإنّي لأوجس خِيفةً إذ أَراها تختلف منذ اليوم باختلاف الأقاليم وباختلاط العُجْمة فيها، فتمسي غريبة عنّاَ، ونمسي عنها غرباءَ وعن بلادنا. فلا يبقى لنا لغة ولا جنسيّة ولا قوميّة ولا وطن''.

أمّا الثاني، ففي إعلانه إِخفاق المجامع العلميّة واللّغويّة ما دامت تعمل وِحْدانا!

كان شيخنا عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ في دمشق. منذ ١٩٢٦.

وعضوًا مؤسّسًا في المجمع العلميّ العربيّ في بيروت.١٩٢٨.

ولم يَحْجُبْ أَلَقُ المَنْصِبَين عن بصيرته حقيقة استشرفها فَجَهَر بها من دون محاباة أو وجَل؛ عندما أعلن فَشَلَ المجامع اللّغُويّة وعجزها، ودعا إلى توحيدها في مَجْمَعٍ علميّ واحدٍ يكون مسؤولاً عن اللّغُةِ في حاضرها، وعاملاً على الحفاظ عليها في مستقبلها... دعا إلى هذا ولم ينتظر، إنّما واصل العمل مع أقرانه في المجمعين وظلّت رؤياه تغاويه في توحيد المجامع في مجمعٍ واحدٍ.

وبعد

كي أُخفّفِ من قسوة هذا الحكم،أعوّلِ على أمرين:

مدرسة البستان التي أنشأها المنذر عام 1910 بريشة الفنان التشكيلي جمال معلوف

الأوّل: استثني به شعراءَ يومِنا، لا محاباةً ولا زُلفى، بل لأنهم اكتوَوا بالنار التي بها اكتوينا، فهم، وبينَنا مِنْهمُ أعلامٌ والحمدّ لله،َ يحاولون أن ينهضوا بما أخفق فيه سابقوهم.

أمّا الثاني: فهو المسارعة إلى القول بأنه لا يكفي أن يكون في الأمّة شعراءُ رؤيويّونَ لتكونَ في مَنْجًى من المخاطر، إنّما لا بُدَّ من قادةٍ رؤيويّين يصدّقون الرؤيا، بل أقول أكثر لا بدّ من شَعْبٍ رؤيوي ينهض ملبّيًا. والتاريخ حافل بذِكْرِ العديد من القادة الرؤيويين الذين لاقوا التنكيل والتجريح من شعوبهم العاجزة عن الرؤيا.

أشير وبإيجاز إلى ثلاث:

الأولى:ا ستلُّها من تاريخنا القديم المضمّخ بعَبق الأسطورة. حكاية زرقاء اليمامة وتنكّر قومها لرؤياها، فهلكت وهلكوا.

الثانية: استلُّها من تاريخنا المعاصر من الحرب المشؤومة وهي رواية '' طواحين بيروت'' للأديب اللبناني الرؤيوي يوسف عَّواد رحمه الله. آلمه أن يرانا سائرين ببيروت وبلبنانَ إلى الخراب والدمار ونحن غافلون، فصاحَ بنا من حُرقةٍ، احذروا، فبيروتنا بل لبناننا آيل إلى الدمار. ولكننا لم نصدّق! ولَم نرعو، وذهبَ رحمه الله ضحيّة التنين الذي رآه آتيًا لابتلاع بيروت.

أمّا الثالثة، فمن تاريخ الحرب العالميّةَ الثانية، اقتبسها من دائرة المعارف الأميركية ملخّصها:

''بل متشل'' كولونيل في البحريّةَ الأميركية، يرفع تقريرًا للقيادة العليا يذيّله بملحوظة تقول: ''على القيادة الاهتمام بالسلاح الجوي من الآن فصاعدًا لأن المستقبل هو للقوّات الجويّة وليس للبحريّة''. يُهْمَلُ التقرير.

وفي تقريرٍ ثانٍ يُلِحّ ويُصرّ، فيضيق صدر القيادة ذرعًا، فتستدعيه تجرّده من رتبه، تحيله إلى التقاعد المبكّر. . وكان ذلك عام ١٩٢٦

عام ١٩٤١ . تقع كارثة بيرل هاربر.يُدَمَّر الأسطول الأميركي بغارة جويَّة يابانيّةَ واحدة. وبعد أن صَحَتِ القيادة من صَدْمتها، تستدعي ''بل متشل'' وللأسف والسخرية، يحضر ابنُه ويتسلّمَ الأوسمة التي كان جرّد منها أبوه، ويذهب ليضعها على شاهدة الضريح!

(encyl. Americana,Vol. 12, p.177)

(Vol. 21, p.450)

فليتنا سمعناك يا شيخ ابراهيم، وليتنا صدّقنا رؤياك عندما قلت لنا يا مُنْذِرًا: ''هذه لغتنا يا قوم إذا أهملناها فقدنا قوميّتنا بل وجودنا'' لو كنّا فعلنا وصدّقناك لما كانت أمّنُا اللّغُة العربيّةَ اليوم تستصرخ وتستغيث، ولما كان أبناؤها يعقُّونها ويهجرون حضنها إلى أحضان الضّرائر والسبايا...

ولكن هيهاتِ يا شيخَنا هيهات!

أقول هذا، وأعتذر إن كنت أسأت أو أخطأت، فا الله وراء القصدِ، وهو أعدل الحاكمينَ. والسلام عليكم وعلى من شاهدَ فشهد.

- رؤيا ليتنا صّدقناها:أُلقيت في تكريم ذكرى الشَّيخ ابراهيم المنذر في قصر الأونيسكو في ١٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

رؤيا ليتنا صدّقناها

د. أسعد السكاف أستاذ جامعي-باحث وناقد وشاعر

رؤيا ليتنا صدّقناها

كلمة الدكتور أسعد السكاف تذكّرنا بما عبّرَ عنه مرارًا الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هوغو (Victor Hugo ) حول دور الأدباء والشعراء  في بعث نهضة الأمم. يرى هوغو أنّ الشاعر صاحب رسالة ورؤيا. هو القائد والمنارة (Le poète mage, éclaireur et  visionnaire)  ألقى د. أسعد السكاف الضوء على هذه الناحية من شخصيّة المنذر الرؤَيوي-القائد. المنذر لم يكن يومًا ندّابًا أو شاكيًا أو باكيًا. المنذر أنذر فلم نسمعه فخربت البصرة! لذا بدا د. السكاف متشائمًا فعبّرَ في كلمته عن خيبة أمل ومرارة كبيرتين. د. السكاف لغويّ بامتياز. مارس مهنة التعليم ولم يزل. وهو أيضًا مراقبٌ دقيقٌ لما يجري على الساحتين الإعلاميّة والتربوية من انتهاكات يوميّة للّغُة العربيّةَ، لذا لا يمكنه إلاّ أن يكون واقعيّاً ويعترف متأسّفًا بأنّ الأوان قد فات وبأنّ الأمل بإنقاذ اللّغة الأمّ بات ضيئلاً جدّاً. ذلك أنّ أولادها تنكّروا لها وهجروها ليرتموا في أحضان غيرها. كلمة د. أسعد السكاف قاسية ولا عجب في ذلك فقول الحقيقة غالبًا ما يكون مؤلمِاً وجارحًا

 أسرة التحرير

 

للشّيخ المُنذِرِ، مآثِر شتّىَ، لا أُحيطُ بها عِلْمًا، وَلو أَحَطْتُ، فلن أُحيطَ بها قولاً. إِنّمَا، أكتفي بالإلماح إلى واحدةٍ، مراعيًا مقتضى الحال، أجِدُها شاهدًا على فرادَةِ شيخنا وتميّزُه. عَنَيْتُ: ''رؤيويّة المنْذِرِ اللّغَُويّةَ''. واَحصر الكلام في كِتابِهِ ''عَثَراتُ الأقلام''، الذي كان لي شَرَفُ تحقيقِهِ.

أمّاَ لماذا اخترتها من بين أخَواتٍ لها كثيرات، فلأنّهَا تُهَدْهِدُ جُرْحًا مقيمًا في الصَّدرِ يلازمني مُنْذُ شبابي. أمّاَ كيفَ؟ ولماذا؟ فإليكم الخبر.

كان لنا نحن جيلَ الخيبة، عتبٌ على شعراءِ حقبتنا، وكلّ مبدعٍ شاعرٌ، ما لبثَ هذا العَتَبُ أن تَحّوَّل مأخَذًا فاتّهامًا، يوم تخلّوَا، في معظمهم، عن مواقعهم؛ فمشَوا وراءنا، وكنّاَ نريدهم، كما تريدهم الحياة، أن يحتلّوا مواقعهم فيمشوا أمامنا. تخلّوا، وأكرّر، في معظمهم، عمّا خصَّتهم به الحياة التي حبتهم أعينًا نورانيّة يرون بها ما لم تكن تراه أعيُننا ويستشرفون برُؤاهم ما عجزت أبصارُنا عن أن تراه. فلم يفعلوا!

وبكلمةٍ لم يكن شعراءُ حقبتنا رؤيويّون بل كانوا إلى النَدّابين أقرب! تركونا سادرين في سيرنا نحو الهاوية، وعندما ابتلعتنا، أتَوا إلينا ونحن في حضيضِ الفاجعةِ يشاطروننا الأسى! وانبرى منهم كبيرٌ ليقول مشخِّصًا وناعبًا:

“سيوفنا أطولُ من قاماتنا''

فَصَفّقَنا له من ألم، ورقصنا له من جراحٍ!

تشخيصٌ دقيق و الله ! ولكن ليته قال لنا ذلك قبل خراب البصرة! ليته أيقظنا من سكرة خُطبِ قادتنا وصِحافيينا، وقال لنا سيوفكم أطول من قاماتكم، فاحذروا أن يبتلعكم التّنين! ليتَهُ فَعلَ ذلك، لكنّاَ، إمّا عملقنا قاماتِنا، وإمّا قزّمنا سيوفَنا خناجرَ! أمّا وقد تخلّفَ وجاء يندُب، فلا كانَ الشِّعْرُ ولا كانت الدنيا!

شيخنا ما كان ندّاَبًا، وما تخلّىَ عن موقع الشَّاعر، إنّما مشى أمامنا، ولم يخشَ أن تجرّحَ قدميهِ أشواك الرّيِادة أو وعورَةُ الطريق. وخَشْية الإطالة أختار موقفين رؤيويّين من كتاب المنذر لأثبت أنّ الحياةَ لم تُضَنّ علينا، ولن تضنّ،َ ما دام لبنان في خير عافيةٍ وما دامت عاصمتُهُ بيروتُ عاصمةً للكتابِ والكتّابِ والشعراءِ.

الأوّلُ بادٍ في قول الشّيخ: ''هذه لغتنا يا قوم، إذا أهملناها فقدْناها، وإذا فقدناها فإننا فاقدون معها مكانتنا ووطنيّتَنا بل وجودنا''.

''وإنّي لأوجس خِيفةً إذ أَراها تختلف منذ اليوم باختلاف الأقاليم وباختلاط العُجْمة فيها، فتمسي غريبة عنّاَ، ونمسي عنها غرباءَ وعن بلادنا. فلا يبقى لنا لغة ولا جنسيّة ولا قوميّة ولا وطن''.

أمّا الثاني، ففي إعلانه إِخفاق المجامع العلميّة واللّغويّة ما دامت تعمل وِحْدانا!

كان شيخنا عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ في دمشق. منذ ١٩٢٦.

وعضوًا مؤسّسًا في المجمع العلميّ العربيّ في بيروت.١٩٢٨.

ولم يَحْجُبْ أَلَقُ المَنْصِبَين عن بصيرته حقيقة استشرفها فَجَهَر بها من دون محاباة أو وجَل؛ عندما أعلن فَشَلَ المجامع اللّغُويّة وعجزها، ودعا إلى توحيدها في مَجْمَعٍ علميّ واحدٍ يكون مسؤولاً عن اللّغُةِ في حاضرها، وعاملاً على الحفاظ عليها في مستقبلها... دعا إلى هذا ولم ينتظر، إنّما واصل العمل مع أقرانه في المجمعين وظلّت رؤياه تغاويه في توحيد المجامع في مجمعٍ واحدٍ.

وبعد

كي أُخفّفِ من قسوة هذا الحكم،أعوّلِ على أمرين:

مدرسة البستان التي أنشأها المنذر عام 1910 بريشة الفنان التشكيلي جمال معلوف

الأوّل: استثني به شعراءَ يومِنا، لا محاباةً ولا زُلفى، بل لأنهم اكتوَوا بالنار التي بها اكتوينا، فهم، وبينَنا مِنْهمُ أعلامٌ والحمدّ لله،َ يحاولون أن ينهضوا بما أخفق فيه سابقوهم.

أمّا الثاني: فهو المسارعة إلى القول بأنه لا يكفي أن يكون في الأمّة شعراءُ رؤيويّونَ لتكونَ في مَنْجًى من المخاطر، إنّما لا بُدَّ من قادةٍ رؤيويّين يصدّقون الرؤيا، بل أقول أكثر لا بدّ من شَعْبٍ رؤيوي ينهض ملبّيًا. والتاريخ حافل بذِكْرِ العديد من القادة الرؤيويين الذين لاقوا التنكيل والتجريح من شعوبهم العاجزة عن الرؤيا.

أشير وبإيجاز إلى ثلاث:

الأولى:ا ستلُّها من تاريخنا القديم المضمّخ بعَبق الأسطورة. حكاية زرقاء اليمامة وتنكّر قومها لرؤياها، فهلكت وهلكوا.

الثانية: استلُّها من تاريخنا المعاصر من الحرب المشؤومة وهي رواية '' طواحين بيروت'' للأديب اللبناني الرؤيوي يوسف عَّواد رحمه الله. آلمه أن يرانا سائرين ببيروت وبلبنانَ إلى الخراب والدمار ونحن غافلون، فصاحَ بنا من حُرقةٍ، احذروا، فبيروتنا بل لبناننا آيل إلى الدمار. ولكننا لم نصدّق! ولَم نرعو، وذهبَ رحمه الله ضحيّة التنين الذي رآه آتيًا لابتلاع بيروت.

أمّا الثالثة، فمن تاريخ الحرب العالميّةَ الثانية، اقتبسها من دائرة المعارف الأميركية ملخّصها:

''بل متشل'' كولونيل في البحريّةَ الأميركية، يرفع تقريرًا للقيادة العليا يذيّله بملحوظة تقول: ''على القيادة الاهتمام بالسلاح الجوي من الآن فصاعدًا لأن المستقبل هو للقوّات الجويّة وليس للبحريّة''. يُهْمَلُ التقرير.

وفي تقريرٍ ثانٍ يُلِحّ ويُصرّ، فيضيق صدر القيادة ذرعًا، فتستدعيه تجرّده من رتبه، تحيله إلى التقاعد المبكّر. . وكان ذلك عام ١٩٢٦

عام ١٩٤١ . تقع كارثة بيرل هاربر.يُدَمَّر الأسطول الأميركي بغارة جويَّة يابانيّةَ واحدة. وبعد أن صَحَتِ القيادة من صَدْمتها، تستدعي ''بل متشل'' وللأسف والسخرية، يحضر ابنُه ويتسلّمَ الأوسمة التي كان جرّد منها أبوه، ويذهب ليضعها على شاهدة الضريح!

(encyl. Americana,Vol. 12, p.177)

(Vol. 21, p.450)

فليتنا سمعناك يا شيخ ابراهيم، وليتنا صدّقنا رؤياك عندما قلت لنا يا مُنْذِرًا: ''هذه لغتنا يا قوم إذا أهملناها فقدنا قوميّتنا بل وجودنا'' لو كنّا فعلنا وصدّقناك لما كانت أمّنُا اللّغُة العربيّةَ اليوم تستصرخ وتستغيث، ولما كان أبناؤها يعقُّونها ويهجرون حضنها إلى أحضان الضّرائر والسبايا...

ولكن هيهاتِ يا شيخَنا هيهات!

أقول هذا، وأعتذر إن كنت أسأت أو أخطأت، فا الله وراء القصدِ، وهو أعدل الحاكمينَ. والسلام عليكم وعلى من شاهدَ فشهد.

- رؤيا ليتنا صّدقناها:أُلقيت في تكريم ذكرى الشَّيخ ابراهيم المنذر في قصر الأونيسكو في ١٥ تشرين الأول ٢٠٠٩