الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ

تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

 

اتّخَذ المجلس التنفيذي للمنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم ALeCSo قرارًا يقضي القيام بمشروع خطة إعلامية للاحتفال بيوم اللّغُة العربيّةَ وذلك في دورته التسعين التي عُقِدَت في تونس خلال شهر حزيران ٢٠٠٩.

وارتأت المنظمة بأن يكون الأول من آذار من كل سنة يومًا للّغُة العربيّةَ. وفي سياق التعاون الثقافي العربي تمنّتَ المنظمة على وزير الثقافة اللبناني المشاركة في هذا الاحتفال. كما تمنّت على وزير التربية والتعليم العالي د. حسن منيمنة تعميم تاريخ الأول من آذار على المدارس والجامعات لإحياء هذه المناسبة. بناءً عليه وبتوجيه من رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء د. ليلى فياض اتّخَذ مجلس الأخصائيين في المركز التربوي قرارًا يقضي بتخصيص بعض الصفحات من المجلة التربوية لأدباء لبنانيين أسهموا في النهضة الثقافية العربيّةَ وفي الحفاظ على لغة الضّاد.

عيدٌ للّغة الأم! قرارٌ حكيم ولو جاء متأخرًا. المجلة التربوية تلبي الدعوة بفخرٍ واعتزاز. فاللسان هو ما يميّزِ الإنسان عن سائر المخلوقات. وللتعريف بالنوع البشريّ اختار اللُّغوي الفرنسي الشهير كلود حجاج(Claude Hagège) عنوان ''إنسان الكلام" (L'Homme de paroles ) لكتابه الصادر عن دار فايار سنة ١٩٩٦.

ويقول ناصيف نصَّار في كتابه ''الذات والحضور'' ''كل ما يقوله الفرد ويكتبه بهذا اللسان أو بذاك هو نتاج له وسمة من سمات هويتّهَ. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الجماعة من حيث ممارستها لمنظومةٍ لسانيةٍ واحدة''.

كثيرةٌ هي الإشارات إلى أهمّيَة النُطق في حياة الإنسان، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ''في البدء كانت الكلمة'' ''كلام الله المُنزَل'' ''الإنسان بأصغَرَيه: قلبُه ولسانه''. وكلّنا يعرف قصة بابل، تلك المدينة في أرض شنعار حيث بنى أولاد نوح برجهم فبَلبَل الله لغتهم. وعندما تتبَلبَل الألسن يحلّ الخراب والدمار.

فاللّغُة أداة التفاهم وعنصر التآلف. هي الأم الموحّدِة والجامعة، الحاضنة لأبنائها.

والأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنّهَا خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمّةَ ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

تحتفل الشعوب بلغتها لأنها تدرك تمامًا أن اللّغُة والفكر توأمان لا ينفصلان وأنّه لا منطق من دون لغة ولا لغة من دون منطق، وقد عبّرَ عن ذلك الكاتب والمفكر الفرنسي بوالو (Boileau) بقوله:

«Ce qui se conçoit bien s'énonce clairement.»

الأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنها خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمَّة ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

ما هو مستقبل اللّغُة العربيّةَ؟ سؤال يجيب عنه جبران خليل جبران: ''مستقبل اللّغُة العربيّةَ رهنُ قوَّة الابتكار في مجموع الأمم التي تتكلّمها، فإن كان لتلك الأمم ذات خاصّة أو وحدة معنويّة وكانت قوّة الابتكار في تلك الذات قد استيقظت بعد نومها الطويل كان مستقبل اللّغُة العربيّةَ عظيمًا كماضيها، وإلاّ فلا.''

ويضيف جبران: '' إن خير الوسائل، بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللّغُة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعه، فالشاعر هو الوسيط بين قوّة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرّره عالم الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين.

الشاعر أبو اللّغُة وأمّهُا، تسير حيثما يسير وتربض أينما يربض، وإذا ما قضى جلست على قبره باكيةً منتحبةً حتى يمّر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها.

وإذا كان الشاعر أبا اللّغُة وأمّهَا فالمقلّدِ ناسج كفنها وحافر قبرها.

أعني بالشاعر كل مخترع كبيرًا كان أو صغيرًا، وكل مختلق عظيمًا كان أو حقيرًا، وكلّ محبّ للحياة المجرّدة إمامًا كان أو صعلوكًا، وكلّ من يقف متهيّبًا أمام الأيّام والليالي فيلسوفًا كان أو ناطورًا للكروم.

أعني بالشاعر ذلك المتعبّد الذي يدخل هيكل نفسه فيجثو باكيًا فرحًا نادبًا مهلّلاً مصغيًا مناجيًا ثمّ يخرج وبين شفتيه ولسانه أسماء وأفعال وحروف واشتقاقات جديدة لأشكال عبادته التي تتجدّد في كلّ يوم وأنواع انجذابه التي تتغيّر في كلّ ليلة فيضيف بعمله هذا وترًا فضيّاً إلى قيثارة اللغة وعودًا طيّبِاً إلى موقدها. أمّا المقلّدِ فهو الذي يردّد صلاة المصلّيِن وابتهال المبتهلين بدون إرادة ولا عاطفة فيترك اللُّغة حيث يجدها والبيان الشخصي حيث لا بيان ولا شخصيّة.''

الفلاسفة والشعراء والمفكِّرون واللغويوّن اللبنانيون كانوا دائمًا في طليعة المهتمين باللّغُة العربيّةَ والحفاظ عليها. اخترنا من بينهم لغوِيّيَن أثنين هما الشَّيخان، ابراهيم المنذر وعبد للهَّ العلايلي على أن تكون لنا محطات لاحقة مع مبدعين آخرين.

أحبّ المنذر اللُّغة العربيَّة ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذّراا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللّبُناني.

ويؤكّد على صحة اختيارنا ما جاء على لسان الأديب الكبير أمين نخلة:''كان الشَّيخ ابراهيم المنذر، إذا تلقّفَ كرة البحث في العربيّةَ، بين فرائدَ وجملٍ، بحرًا لا ساحل له! فهو قد أحاط بشاذٍ ومقيسٍ، ووقف على غرائبَ ونوادرَ، وغاص على دقائق واستقصى أطرافًا، وجمع أشتاتًا ما شاء للهّ له. ذلك إلى ذاكرةٍ تحفظ للفور، وتُحضِرُ المحفوظَ عند الاقتضاء. فإذا هو تلا عن لوح قلبه، فكأنّمَا يستفرغ من وعاء، وإذا عُرضت له المسألة حضر الشاهد لساعته، يبدر من متنٍ، أو حاشيةٍ، أو تعليقةٍ، أو لُحَق.

وإنّي لا أعرف في عُلماءِ زماننا من رزق تلك القُوَّة في الحافظة إلاّ الشَّيخ عبد القادر المغربيّ علاّمَة وقته رحمهُ للهّ،َ والشَّيخ عبد للهَّ العلايلي علاّمَة هذا الوقت حفظه للهّ.َ''

أحبّ المنذر اللّغُة العربيّةَ ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذرًا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللبناني.

الشبخ إبراهيم المنذرالشيخ عبدالله العلايلي

أسَّسَس المنذر المجمع العلميّ اللبنانيّ وكان عضوًا فيه كما كان عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ الذي اعترف للمنذر بدفاعه عن اللّغُة العربيّةَ ضدّ المستعمرين وكان في ذلك رائدًا طليعيّاً: '' وأول من نفخ في بوق هذه النهضة المباركة في لبناننا هو النائب الحرّ الجريء الشَّيخ ابراهيم المنذر.'' وممّا قاله المنذر النائب:''يجب أن تجاري لغتنا اللّغات الحيّةَ فتصير لغة اشتقاق، وإذا ظلّتَ سماعية جافّة )وهي أوسع اللّغُات وأفصحها( عقّهَا بنوها وانصرفوا عنها إلى سواها من لغات الغرب (وقد فعلوا) وكانت عاقبتها الموت المحتّمَ. وفي اعتقادي أنّ فقدان العربيّةَ هو فقدان جوهر الفصاحة والبلاغة، بل هو فقدان شعب حَيٍّ نشيط ذي تاريخ مجيد. واللّغُات التي جارى أربابها روح العصور وَمَشوا بها إلى جانب الحضارة والعمران، اتّسَعت دائرتها وارتقت فروعها وانتشرت آثارها وآدابها وكثُر عارفوها والمتكلّمِون بها''.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيّةًَ مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّ هِا القديم البالي.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عَشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيةً مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّهِا القديم البالي:

لعينيكِ، يا ذاتَ العلاءِ، فمَا لِيَا                           سِواكِ حبيبٌ أفتديه بماليا

لعينيك، يا روح المعاني وَمَصدرَ                    البيان ونورَ المنطِِقِِ المُتلالِيا

لعينيكِ، يا أمَّ اللُّغاتِ، حُشاشَتِي                       وَقُوَّةُ ادراكي، وقومي، وآلِيا

وفي قصيدة أخرى يخاطبها قائلاً:

     بَرَزَتْ  هيفاءَ في شَرْحِ الصِّبَا                       في بَوَادِي العُرْبِ والطََّوْدِ الأشَمِّ

     كُلَّمَا جُنَّ الدُّجى تَطْلُعُ مِنْ                            جَبْهَةِ الآفاقِِ كالبَدْرِ الأتَمِّ

     ومع الفَجْرِ تَجَلَّى نُورُهَا                              كَضِيَاءِ الشََّمس تجْلُو كُلّ هَمِّ

     لُغَةُ الضَّادِ، وقدْ كانت بنَا                             هَدَفًا للمَجدِ، والخيرِ الأعَمِّ

ويعبِّر عن حبه في موضوع آخر:

     لعينيكِ، يا أُختَ الكواكِبِ في السَّمَا      فدى كُلِّ مَن صلَّى وَصَامَ وسَلَّمَا

     لكِ الله، يا أمَّ اللُّغاتِ، فإنَّني أُحِبُكِ        وَحْيًا يَمْلأُ القَلْبَ والفَمَا

     وَأهْوَى لِسَانَ العُرْبِ، والفِتْيَةَ الأُلى      أَحَبُّوا لِسَانَ العُرْبِ حُبًّا مُتيِّمًا

     ويعترف مفاخرًا "إنّها أمي"

     لم يكتفِ المنذر بالخُطب والأشعار بل قضى معظم عمره يدرّس اللغة العربية:

     على منبر التَّدريس في كل معهدٍ                    قضيتُ حياتي هاديًا ومُعلِّمًا

أما الشَّيخ عبد للهّ العلايلي فقد نذر نفسه للّغُة العربيّةَ وكرَّس لها معظم أوقات حياته وأحدث كتابه الصادر سنة ١٩٣٨ ''مقدمة لدرس لغة العرب'' ثورة في عالم اللّغُة. الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللُّغَوِيَّيْن. أحبّ الفن والنقد الأدبي والشِعر ولكنه فضَّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحّاَت مع الإزميل والحجر واستحقَّ ما قاله عنه الكاتب والباحث وفيق غْرَيزي:'' إن اللّغُة العربيّةَ لا بدّ لها من استلهام النهج الذي اختطّهَ العلايلي لها. والمعجم العربي لا محالة صائر إلى ما رسمه له''. وقد تميّزَ العلايلي برفض الجمود كما سعى إلى تهديم الأسوار وبناء الجسور وآمن بالتطوير والتحديث وهو القائل:''لست أؤمن بالأسوار، هذه قاعدة كل تحرُّكٍ عندي، لأن الإيمان بها إيمان بالتحديد والجمود. فسبيل أبناء الحركة أنهم يتطوَّرون، وعذرهم أنهم يحسون بتبعة الحياة''.

الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللّغويّين. أحبَّ الفن والنقد الأدبي والشعر ولكنه فضّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحات مع الازميل والحجر.

اليوم وبعد مرور عشرات السنين على إنذارات وتنبيهات حكمائنا وشعرائنا وفلاسفتنا نقف لنعيِّدَ العيد الأول للُّغة العربيَّة. ولكن ماذا فعلنا؟هل اهتدينا بهديهم؟ هل امتثلنا لنصائحهم؟ وما هي حالُ لغتنا مقارنةً بلغات العالم؟ وهل يُقبل أبناؤنا على تعلُّمها؟ هل تواكب العلوم العصرية؟ لا، هو الجواب الذي يأتينا من الدكتور أحمد شفيق الخطيب رئيس دائرة المعاجم في مكتبة لبنان وعضو مجمع اللّغُة العربيّةَ في القاهرة ودمشق. وقد أعلن أمام مجمع اللّغُة العربيّةَ في دمشق سنة ٢٠٠١ إن المستوى الفنّيِ والعلميّ الذي توصّل إليه العمل المعجمي في لُغات العولمة يُخشى أن يُحوّلِ هذا الوعي لصالح المعاجم الأجنبية التي غدت تنافس المُعجم العربي كمَرجعٍ، تثقيفي بخاصةٍ، على أكثر من مستوًى. وإنّيِ لأتطلّعَ الى معجم عربي بمستوًى لغويّ وفنّي ومعلوماتي بتقانات معجمية مثلاً، (Larousse) أو (oXFord) حديثة يُضاهي معاجم معجمٌ يتواجد في كل بيت، ويُتهادى في كل مناسبة. لقد كنّا السَّباقين، وكان المُعجم العربي سبّاقًا معنا وبنا. وبتخلّفُنا السلجوقي المغولي العثماني والقبَليّ تخلّفَ المُعجم العربي معنا وبنا.''

للأسف لم نسمع المنذر عندما طالب بتهذيب اللّغُة وتنقيتها ولم نطرح ما هو فاسد وغليظ من الألفاظ ولم :''نسُنّ قواعد جديدة توافق روح العصر ونفتح بابًا للاشتقاق نتوصل منه إلى تسمية الأشياء الجارية لدينا في الاستعمال بلغة العرب''.

الفرنسيّون مثلاً يهذّبِون ويعدّلِون باستمرار لجعل لغتهم في مصاف اللّغُات الحيّةَ، التي يجري فيها الحذف والتنقيح والإضافة، تسهيلاً لسُبُلِ تحصيلها وايمانًا منهم بأن الأمّةَ يمكنها أن تحافظ على القديم ولكن عليها أن لا تحطّمِ طموح أبنائها على عتبة الماضي. واللّغُة الحيّةَ والتي لا يمكنها أن تموت، هي التي سمع أبناؤها سؤال جبران خليل جبران في ''البدائع والطرائف ''أتظنون أن الحياة تستر جسدها بالخِرَقِ البالية؟'' ''كما سمِعوه يقول في ''النبي'' ''الحياة لا تقيم في منازل الأمس!''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربي وبهمّةَ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللبنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديمية للّغة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة. نعم أكاديمية يعمل أعضاؤها على ملاحقة قضايا اللّغُة وأصولها وتعابيرها وعلى الاهتمام بوضع المعاجم العصريّة وإعداد وتأهيل المعجميِّين والمعرّبِين والمتخصّصِين في علم المصطلح. علّنا في ذلك نستفيد من إرشادات بعض أساتذة اللّغُة من ذوي الخبرة الطويلة (ومنهم من شارك معنا في تحضير هذا العدد) فننقذ ما يمكن إنقاذه. ولن نفقد الأمل لأنه كما قال المنذر:''ما ماتت لغة في صدور رجالها هممٌ وفي قلوبهم شعور، وفي رؤوسهم أدمغة تفكر في مصير الشعوب ومجاري الأمور.''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربيّ وبهمةَّ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللّبُنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديميّةَ للّغُة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة.

هذا العدد من المجلّة التربوية يحتوي على ثلاثة أقسام: في القسم الأول حاولنا تسليط الضؤ على لغويّيَن لبنانيّيَن هما الشَّيخان: ابراهيم المنذر وعبد للهّ العلايلي وعلى بعضٍ من شؤون اللّغُة العربيّةَ.

أما القسم الثاني، فخصَّصناه للشاعر سعيد عقل تحت عنوان ''مبدعٌ من لبنان''. ذلك أن سعيد عقل أدخل الشعر اللبناني والعربي في عالم الحداثة والابتكار وحفظ للبنان موقعًا متميّزًِا في دنيا الشعر والشعراء، إضافة إلى أنه خصَّ لبنان بأجمل القصائد وأروعها.

أمّا الملف التربوي فقد أضأنا فيه على المناهج المطوَّرة لمرحلة الروضة والتي تمرّ الآن بمرحلة تجريبية وعلى مفهوم الكفاية الذي تنطلق (competence) منه المفاهيم والاستراتيجيات التعليمية الجديدة. والجدير بالذكر أن المركز التربوي أصدر سنة ٢٠٠٩ معجم الكفايات باللّغُات الثلاث: عربي/فرنسي/ إنكليزي ووضعه بين أيدي التربويين والمهتمين على مستوى لبنان والعالم العربي.

نتمنى أن يعود هذا العدد بالفائدة على المعلّمِين وسائر التربويين وجميع الناطقين بلغة الضّاد الذين سيحتفلون معنا بتاريخ الأول من آذار من كل سنة، آملين أن يكون قرار المنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم بمثابة اليقظة الفكرية فنستفيق نحن جميعًا: صانعي القرار، باحثين ومبتكرين، مسؤولين وتربويّين، من ثباتنا العميق ونبدأ ورشة عمل لغويّةَ تعيد لغتنا إلى عصر نهضتها وأيام عزِّها.

الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ

تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

 

اتّخَذ المجلس التنفيذي للمنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم ALeCSo قرارًا يقضي القيام بمشروع خطة إعلامية للاحتفال بيوم اللّغُة العربيّةَ وذلك في دورته التسعين التي عُقِدَت في تونس خلال شهر حزيران ٢٠٠٩.

وارتأت المنظمة بأن يكون الأول من آذار من كل سنة يومًا للّغُة العربيّةَ. وفي سياق التعاون الثقافي العربي تمنّتَ المنظمة على وزير الثقافة اللبناني المشاركة في هذا الاحتفال. كما تمنّت على وزير التربية والتعليم العالي د. حسن منيمنة تعميم تاريخ الأول من آذار على المدارس والجامعات لإحياء هذه المناسبة. بناءً عليه وبتوجيه من رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء د. ليلى فياض اتّخَذ مجلس الأخصائيين في المركز التربوي قرارًا يقضي بتخصيص بعض الصفحات من المجلة التربوية لأدباء لبنانيين أسهموا في النهضة الثقافية العربيّةَ وفي الحفاظ على لغة الضّاد.

عيدٌ للّغة الأم! قرارٌ حكيم ولو جاء متأخرًا. المجلة التربوية تلبي الدعوة بفخرٍ واعتزاز. فاللسان هو ما يميّزِ الإنسان عن سائر المخلوقات. وللتعريف بالنوع البشريّ اختار اللُّغوي الفرنسي الشهير كلود حجاج(Claude Hagège) عنوان ''إنسان الكلام" (L'Homme de paroles ) لكتابه الصادر عن دار فايار سنة ١٩٩٦.

ويقول ناصيف نصَّار في كتابه ''الذات والحضور'' ''كل ما يقوله الفرد ويكتبه بهذا اللسان أو بذاك هو نتاج له وسمة من سمات هويتّهَ. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الجماعة من حيث ممارستها لمنظومةٍ لسانيةٍ واحدة''.

كثيرةٌ هي الإشارات إلى أهمّيَة النُطق في حياة الإنسان، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ''في البدء كانت الكلمة'' ''كلام الله المُنزَل'' ''الإنسان بأصغَرَيه: قلبُه ولسانه''. وكلّنا يعرف قصة بابل، تلك المدينة في أرض شنعار حيث بنى أولاد نوح برجهم فبَلبَل الله لغتهم. وعندما تتبَلبَل الألسن يحلّ الخراب والدمار.

فاللّغُة أداة التفاهم وعنصر التآلف. هي الأم الموحّدِة والجامعة، الحاضنة لأبنائها.

والأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنّهَا خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمّةَ ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

تحتفل الشعوب بلغتها لأنها تدرك تمامًا أن اللّغُة والفكر توأمان لا ينفصلان وأنّه لا منطق من دون لغة ولا لغة من دون منطق، وقد عبّرَ عن ذلك الكاتب والمفكر الفرنسي بوالو (Boileau) بقوله:

«Ce qui se conçoit bien s'énonce clairement.»

الأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنها خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمَّة ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

ما هو مستقبل اللّغُة العربيّةَ؟ سؤال يجيب عنه جبران خليل جبران: ''مستقبل اللّغُة العربيّةَ رهنُ قوَّة الابتكار في مجموع الأمم التي تتكلّمها، فإن كان لتلك الأمم ذات خاصّة أو وحدة معنويّة وكانت قوّة الابتكار في تلك الذات قد استيقظت بعد نومها الطويل كان مستقبل اللّغُة العربيّةَ عظيمًا كماضيها، وإلاّ فلا.''

ويضيف جبران: '' إن خير الوسائل، بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللّغُة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعه، فالشاعر هو الوسيط بين قوّة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرّره عالم الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين.

الشاعر أبو اللّغُة وأمّهُا، تسير حيثما يسير وتربض أينما يربض، وإذا ما قضى جلست على قبره باكيةً منتحبةً حتى يمّر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها.

وإذا كان الشاعر أبا اللّغُة وأمّهَا فالمقلّدِ ناسج كفنها وحافر قبرها.

أعني بالشاعر كل مخترع كبيرًا كان أو صغيرًا، وكل مختلق عظيمًا كان أو حقيرًا، وكلّ محبّ للحياة المجرّدة إمامًا كان أو صعلوكًا، وكلّ من يقف متهيّبًا أمام الأيّام والليالي فيلسوفًا كان أو ناطورًا للكروم.

أعني بالشاعر ذلك المتعبّد الذي يدخل هيكل نفسه فيجثو باكيًا فرحًا نادبًا مهلّلاً مصغيًا مناجيًا ثمّ يخرج وبين شفتيه ولسانه أسماء وأفعال وحروف واشتقاقات جديدة لأشكال عبادته التي تتجدّد في كلّ يوم وأنواع انجذابه التي تتغيّر في كلّ ليلة فيضيف بعمله هذا وترًا فضيّاً إلى قيثارة اللغة وعودًا طيّبِاً إلى موقدها. أمّا المقلّدِ فهو الذي يردّد صلاة المصلّيِن وابتهال المبتهلين بدون إرادة ولا عاطفة فيترك اللُّغة حيث يجدها والبيان الشخصي حيث لا بيان ولا شخصيّة.''

الفلاسفة والشعراء والمفكِّرون واللغويوّن اللبنانيون كانوا دائمًا في طليعة المهتمين باللّغُة العربيّةَ والحفاظ عليها. اخترنا من بينهم لغوِيّيَن أثنين هما الشَّيخان، ابراهيم المنذر وعبد للهَّ العلايلي على أن تكون لنا محطات لاحقة مع مبدعين آخرين.

أحبّ المنذر اللُّغة العربيَّة ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذّراا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللّبُناني.

ويؤكّد على صحة اختيارنا ما جاء على لسان الأديب الكبير أمين نخلة:''كان الشَّيخ ابراهيم المنذر، إذا تلقّفَ كرة البحث في العربيّةَ، بين فرائدَ وجملٍ، بحرًا لا ساحل له! فهو قد أحاط بشاذٍ ومقيسٍ، ووقف على غرائبَ ونوادرَ، وغاص على دقائق واستقصى أطرافًا، وجمع أشتاتًا ما شاء للهّ له. ذلك إلى ذاكرةٍ تحفظ للفور، وتُحضِرُ المحفوظَ عند الاقتضاء. فإذا هو تلا عن لوح قلبه، فكأنّمَا يستفرغ من وعاء، وإذا عُرضت له المسألة حضر الشاهد لساعته، يبدر من متنٍ، أو حاشيةٍ، أو تعليقةٍ، أو لُحَق.

وإنّي لا أعرف في عُلماءِ زماننا من رزق تلك القُوَّة في الحافظة إلاّ الشَّيخ عبد القادر المغربيّ علاّمَة وقته رحمهُ للهّ،َ والشَّيخ عبد للهَّ العلايلي علاّمَة هذا الوقت حفظه للهّ.َ''

أحبّ المنذر اللّغُة العربيّةَ ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذرًا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللبناني.

الشبخ إبراهيم المنذرالشيخ عبدالله العلايلي

أسَّسَس المنذر المجمع العلميّ اللبنانيّ وكان عضوًا فيه كما كان عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ الذي اعترف للمنذر بدفاعه عن اللّغُة العربيّةَ ضدّ المستعمرين وكان في ذلك رائدًا طليعيّاً: '' وأول من نفخ في بوق هذه النهضة المباركة في لبناننا هو النائب الحرّ الجريء الشَّيخ ابراهيم المنذر.'' وممّا قاله المنذر النائب:''يجب أن تجاري لغتنا اللّغات الحيّةَ فتصير لغة اشتقاق، وإذا ظلّتَ سماعية جافّة )وهي أوسع اللّغُات وأفصحها( عقّهَا بنوها وانصرفوا عنها إلى سواها من لغات الغرب (وقد فعلوا) وكانت عاقبتها الموت المحتّمَ. وفي اعتقادي أنّ فقدان العربيّةَ هو فقدان جوهر الفصاحة والبلاغة، بل هو فقدان شعب حَيٍّ نشيط ذي تاريخ مجيد. واللّغُات التي جارى أربابها روح العصور وَمَشوا بها إلى جانب الحضارة والعمران، اتّسَعت دائرتها وارتقت فروعها وانتشرت آثارها وآدابها وكثُر عارفوها والمتكلّمِون بها''.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيّةًَ مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّ هِا القديم البالي.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عَشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيةً مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّهِا القديم البالي:

لعينيكِ، يا ذاتَ العلاءِ، فمَا لِيَا                           سِواكِ حبيبٌ أفتديه بماليا

لعينيك، يا روح المعاني وَمَصدرَ                    البيان ونورَ المنطِِقِِ المُتلالِيا

لعينيكِ، يا أمَّ اللُّغاتِ، حُشاشَتِي                       وَقُوَّةُ ادراكي، وقومي، وآلِيا

وفي قصيدة أخرى يخاطبها قائلاً:

     بَرَزَتْ  هيفاءَ في شَرْحِ الصِّبَا                       في بَوَادِي العُرْبِ والطََّوْدِ الأشَمِّ

     كُلَّمَا جُنَّ الدُّجى تَطْلُعُ مِنْ                            جَبْهَةِ الآفاقِِ كالبَدْرِ الأتَمِّ

     ومع الفَجْرِ تَجَلَّى نُورُهَا                              كَضِيَاءِ الشََّمس تجْلُو كُلّ هَمِّ

     لُغَةُ الضَّادِ، وقدْ كانت بنَا                             هَدَفًا للمَجدِ، والخيرِ الأعَمِّ

ويعبِّر عن حبه في موضوع آخر:

     لعينيكِ، يا أُختَ الكواكِبِ في السَّمَا      فدى كُلِّ مَن صلَّى وَصَامَ وسَلَّمَا

     لكِ الله، يا أمَّ اللُّغاتِ، فإنَّني أُحِبُكِ        وَحْيًا يَمْلأُ القَلْبَ والفَمَا

     وَأهْوَى لِسَانَ العُرْبِ، والفِتْيَةَ الأُلى      أَحَبُّوا لِسَانَ العُرْبِ حُبًّا مُتيِّمًا

     ويعترف مفاخرًا "إنّها أمي"

     لم يكتفِ المنذر بالخُطب والأشعار بل قضى معظم عمره يدرّس اللغة العربية:

     على منبر التَّدريس في كل معهدٍ                    قضيتُ حياتي هاديًا ومُعلِّمًا

أما الشَّيخ عبد للهّ العلايلي فقد نذر نفسه للّغُة العربيّةَ وكرَّس لها معظم أوقات حياته وأحدث كتابه الصادر سنة ١٩٣٨ ''مقدمة لدرس لغة العرب'' ثورة في عالم اللّغُة. الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللُّغَوِيَّيْن. أحبّ الفن والنقد الأدبي والشِعر ولكنه فضَّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحّاَت مع الإزميل والحجر واستحقَّ ما قاله عنه الكاتب والباحث وفيق غْرَيزي:'' إن اللّغُة العربيّةَ لا بدّ لها من استلهام النهج الذي اختطّهَ العلايلي لها. والمعجم العربي لا محالة صائر إلى ما رسمه له''. وقد تميّزَ العلايلي برفض الجمود كما سعى إلى تهديم الأسوار وبناء الجسور وآمن بالتطوير والتحديث وهو القائل:''لست أؤمن بالأسوار، هذه قاعدة كل تحرُّكٍ عندي، لأن الإيمان بها إيمان بالتحديد والجمود. فسبيل أبناء الحركة أنهم يتطوَّرون، وعذرهم أنهم يحسون بتبعة الحياة''.

الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللّغويّين. أحبَّ الفن والنقد الأدبي والشعر ولكنه فضّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحات مع الازميل والحجر.

اليوم وبعد مرور عشرات السنين على إنذارات وتنبيهات حكمائنا وشعرائنا وفلاسفتنا نقف لنعيِّدَ العيد الأول للُّغة العربيَّة. ولكن ماذا فعلنا؟هل اهتدينا بهديهم؟ هل امتثلنا لنصائحهم؟ وما هي حالُ لغتنا مقارنةً بلغات العالم؟ وهل يُقبل أبناؤنا على تعلُّمها؟ هل تواكب العلوم العصرية؟ لا، هو الجواب الذي يأتينا من الدكتور أحمد شفيق الخطيب رئيس دائرة المعاجم في مكتبة لبنان وعضو مجمع اللّغُة العربيّةَ في القاهرة ودمشق. وقد أعلن أمام مجمع اللّغُة العربيّةَ في دمشق سنة ٢٠٠١ إن المستوى الفنّيِ والعلميّ الذي توصّل إليه العمل المعجمي في لُغات العولمة يُخشى أن يُحوّلِ هذا الوعي لصالح المعاجم الأجنبية التي غدت تنافس المُعجم العربي كمَرجعٍ، تثقيفي بخاصةٍ، على أكثر من مستوًى. وإنّيِ لأتطلّعَ الى معجم عربي بمستوًى لغويّ وفنّي ومعلوماتي بتقانات معجمية مثلاً، (Larousse) أو (oXFord) حديثة يُضاهي معاجم معجمٌ يتواجد في كل بيت، ويُتهادى في كل مناسبة. لقد كنّا السَّباقين، وكان المُعجم العربي سبّاقًا معنا وبنا. وبتخلّفُنا السلجوقي المغولي العثماني والقبَليّ تخلّفَ المُعجم العربي معنا وبنا.''

للأسف لم نسمع المنذر عندما طالب بتهذيب اللّغُة وتنقيتها ولم نطرح ما هو فاسد وغليظ من الألفاظ ولم :''نسُنّ قواعد جديدة توافق روح العصر ونفتح بابًا للاشتقاق نتوصل منه إلى تسمية الأشياء الجارية لدينا في الاستعمال بلغة العرب''.

الفرنسيّون مثلاً يهذّبِون ويعدّلِون باستمرار لجعل لغتهم في مصاف اللّغُات الحيّةَ، التي يجري فيها الحذف والتنقيح والإضافة، تسهيلاً لسُبُلِ تحصيلها وايمانًا منهم بأن الأمّةَ يمكنها أن تحافظ على القديم ولكن عليها أن لا تحطّمِ طموح أبنائها على عتبة الماضي. واللّغُة الحيّةَ والتي لا يمكنها أن تموت، هي التي سمع أبناؤها سؤال جبران خليل جبران في ''البدائع والطرائف ''أتظنون أن الحياة تستر جسدها بالخِرَقِ البالية؟'' ''كما سمِعوه يقول في ''النبي'' ''الحياة لا تقيم في منازل الأمس!''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربي وبهمّةَ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللبنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديمية للّغة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة. نعم أكاديمية يعمل أعضاؤها على ملاحقة قضايا اللّغُة وأصولها وتعابيرها وعلى الاهتمام بوضع المعاجم العصريّة وإعداد وتأهيل المعجميِّين والمعرّبِين والمتخصّصِين في علم المصطلح. علّنا في ذلك نستفيد من إرشادات بعض أساتذة اللّغُة من ذوي الخبرة الطويلة (ومنهم من شارك معنا في تحضير هذا العدد) فننقذ ما يمكن إنقاذه. ولن نفقد الأمل لأنه كما قال المنذر:''ما ماتت لغة في صدور رجالها هممٌ وفي قلوبهم شعور، وفي رؤوسهم أدمغة تفكر في مصير الشعوب ومجاري الأمور.''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربيّ وبهمةَّ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللّبُنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديميّةَ للّغُة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة.

هذا العدد من المجلّة التربوية يحتوي على ثلاثة أقسام: في القسم الأول حاولنا تسليط الضؤ على لغويّيَن لبنانيّيَن هما الشَّيخان: ابراهيم المنذر وعبد للهّ العلايلي وعلى بعضٍ من شؤون اللّغُة العربيّةَ.

أما القسم الثاني، فخصَّصناه للشاعر سعيد عقل تحت عنوان ''مبدعٌ من لبنان''. ذلك أن سعيد عقل أدخل الشعر اللبناني والعربي في عالم الحداثة والابتكار وحفظ للبنان موقعًا متميّزًِا في دنيا الشعر والشعراء، إضافة إلى أنه خصَّ لبنان بأجمل القصائد وأروعها.

أمّا الملف التربوي فقد أضأنا فيه على المناهج المطوَّرة لمرحلة الروضة والتي تمرّ الآن بمرحلة تجريبية وعلى مفهوم الكفاية الذي تنطلق (competence) منه المفاهيم والاستراتيجيات التعليمية الجديدة. والجدير بالذكر أن المركز التربوي أصدر سنة ٢٠٠٩ معجم الكفايات باللّغُات الثلاث: عربي/فرنسي/ إنكليزي ووضعه بين أيدي التربويين والمهتمين على مستوى لبنان والعالم العربي.

نتمنى أن يعود هذا العدد بالفائدة على المعلّمِين وسائر التربويين وجميع الناطقين بلغة الضّاد الذين سيحتفلون معنا بتاريخ الأول من آذار من كل سنة، آملين أن يكون قرار المنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم بمثابة اليقظة الفكرية فنستفيق نحن جميعًا: صانعي القرار، باحثين ومبتكرين، مسؤولين وتربويّين، من ثباتنا العميق ونبدأ ورشة عمل لغويّةَ تعيد لغتنا إلى عصر نهضتها وأيام عزِّها.

الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

الأوَّل من آذار يوم اللّغُة العربيّةَ

تحيّةَ إلى النّاَطقين بالضَّاد!

 

اتّخَذ المجلس التنفيذي للمنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم ALeCSo قرارًا يقضي القيام بمشروع خطة إعلامية للاحتفال بيوم اللّغُة العربيّةَ وذلك في دورته التسعين التي عُقِدَت في تونس خلال شهر حزيران ٢٠٠٩.

وارتأت المنظمة بأن يكون الأول من آذار من كل سنة يومًا للّغُة العربيّةَ. وفي سياق التعاون الثقافي العربي تمنّتَ المنظمة على وزير الثقافة اللبناني المشاركة في هذا الاحتفال. كما تمنّت على وزير التربية والتعليم العالي د. حسن منيمنة تعميم تاريخ الأول من آذار على المدارس والجامعات لإحياء هذه المناسبة. بناءً عليه وبتوجيه من رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء د. ليلى فياض اتّخَذ مجلس الأخصائيين في المركز التربوي قرارًا يقضي بتخصيص بعض الصفحات من المجلة التربوية لأدباء لبنانيين أسهموا في النهضة الثقافية العربيّةَ وفي الحفاظ على لغة الضّاد.

عيدٌ للّغة الأم! قرارٌ حكيم ولو جاء متأخرًا. المجلة التربوية تلبي الدعوة بفخرٍ واعتزاز. فاللسان هو ما يميّزِ الإنسان عن سائر المخلوقات. وللتعريف بالنوع البشريّ اختار اللُّغوي الفرنسي الشهير كلود حجاج(Claude Hagège) عنوان ''إنسان الكلام" (L'Homme de paroles ) لكتابه الصادر عن دار فايار سنة ١٩٩٦.

ويقول ناصيف نصَّار في كتابه ''الذات والحضور'' ''كل ما يقوله الفرد ويكتبه بهذا اللسان أو بذاك هو نتاج له وسمة من سمات هويتّهَ. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الجماعة من حيث ممارستها لمنظومةٍ لسانيةٍ واحدة''.

كثيرةٌ هي الإشارات إلى أهمّيَة النُطق في حياة الإنسان، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ''في البدء كانت الكلمة'' ''كلام الله المُنزَل'' ''الإنسان بأصغَرَيه: قلبُه ولسانه''. وكلّنا يعرف قصة بابل، تلك المدينة في أرض شنعار حيث بنى أولاد نوح برجهم فبَلبَل الله لغتهم. وعندما تتبَلبَل الألسن يحلّ الخراب والدمار.

فاللّغُة أداة التفاهم وعنصر التآلف. هي الأم الموحّدِة والجامعة، الحاضنة لأبنائها.

والأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنّهَا خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمّةَ ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

تحتفل الشعوب بلغتها لأنها تدرك تمامًا أن اللّغُة والفكر توأمان لا ينفصلان وأنّه لا منطق من دون لغة ولا لغة من دون منطق، وقد عبّرَ عن ذلك الكاتب والمفكر الفرنسي بوالو (Boileau) بقوله:

«Ce qui se conçoit bien s'énonce clairement.»

الأمم التي تحتفل بلغتها الأم تَعي تمامًا أن اللّغُة حافظة للتاريخ والفلسفة والقيَم والثقافة وأنها خزان المعارف والعلوم والقوانين والشرائع وهي بالتالي عنصر أساسي للديمومة والبقاء والاستمرار. فإذا اندثرت اللّغُة وماتت مات أبناؤها واندثروا. فهما ينهضان معًا ويموتان معًا. وقد أثبت التاريخ أن أمَّة ما، في مرحلة النهضة الاقتصادية والعلميّة تفرض لغتها على الآخرين وفي ذلك دليلٌ على تفوّقها!

ما هو مستقبل اللّغُة العربيّةَ؟ سؤال يجيب عنه جبران خليل جبران: ''مستقبل اللّغُة العربيّةَ رهنُ قوَّة الابتكار في مجموع الأمم التي تتكلّمها، فإن كان لتلك الأمم ذات خاصّة أو وحدة معنويّة وكانت قوّة الابتكار في تلك الذات قد استيقظت بعد نومها الطويل كان مستقبل اللّغُة العربيّةَ عظيمًا كماضيها، وإلاّ فلا.''

ويضيف جبران: '' إن خير الوسائل، بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللّغُة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعه، فالشاعر هو الوسيط بين قوّة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرّره عالم الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين.

الشاعر أبو اللّغُة وأمّهُا، تسير حيثما يسير وتربض أينما يربض، وإذا ما قضى جلست على قبره باكيةً منتحبةً حتى يمّر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها.

وإذا كان الشاعر أبا اللّغُة وأمّهَا فالمقلّدِ ناسج كفنها وحافر قبرها.

أعني بالشاعر كل مخترع كبيرًا كان أو صغيرًا، وكل مختلق عظيمًا كان أو حقيرًا، وكلّ محبّ للحياة المجرّدة إمامًا كان أو صعلوكًا، وكلّ من يقف متهيّبًا أمام الأيّام والليالي فيلسوفًا كان أو ناطورًا للكروم.

أعني بالشاعر ذلك المتعبّد الذي يدخل هيكل نفسه فيجثو باكيًا فرحًا نادبًا مهلّلاً مصغيًا مناجيًا ثمّ يخرج وبين شفتيه ولسانه أسماء وأفعال وحروف واشتقاقات جديدة لأشكال عبادته التي تتجدّد في كلّ يوم وأنواع انجذابه التي تتغيّر في كلّ ليلة فيضيف بعمله هذا وترًا فضيّاً إلى قيثارة اللغة وعودًا طيّبِاً إلى موقدها. أمّا المقلّدِ فهو الذي يردّد صلاة المصلّيِن وابتهال المبتهلين بدون إرادة ولا عاطفة فيترك اللُّغة حيث يجدها والبيان الشخصي حيث لا بيان ولا شخصيّة.''

الفلاسفة والشعراء والمفكِّرون واللغويوّن اللبنانيون كانوا دائمًا في طليعة المهتمين باللّغُة العربيّةَ والحفاظ عليها. اخترنا من بينهم لغوِيّيَن أثنين هما الشَّيخان، ابراهيم المنذر وعبد للهَّ العلايلي على أن تكون لنا محطات لاحقة مع مبدعين آخرين.

أحبّ المنذر اللُّغة العربيَّة ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذّراا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللّبُناني.

ويؤكّد على صحة اختيارنا ما جاء على لسان الأديب الكبير أمين نخلة:''كان الشَّيخ ابراهيم المنذر، إذا تلقّفَ كرة البحث في العربيّةَ، بين فرائدَ وجملٍ، بحرًا لا ساحل له! فهو قد أحاط بشاذٍ ومقيسٍ، ووقف على غرائبَ ونوادرَ، وغاص على دقائق واستقصى أطرافًا، وجمع أشتاتًا ما شاء للهّ له. ذلك إلى ذاكرةٍ تحفظ للفور، وتُحضِرُ المحفوظَ عند الاقتضاء. فإذا هو تلا عن لوح قلبه، فكأنّمَا يستفرغ من وعاء، وإذا عُرضت له المسألة حضر الشاهد لساعته، يبدر من متنٍ، أو حاشيةٍ، أو تعليقةٍ، أو لُحَق.

وإنّي لا أعرف في عُلماءِ زماننا من رزق تلك القُوَّة في الحافظة إلاّ الشَّيخ عبد القادر المغربيّ علاّمَة وقته رحمهُ للهّ،َ والشَّيخ عبد للهَّ العلايلي علاّمَة هذا الوقت حفظه للهّ.َ''

أحبّ المنذر اللّغُة العربيّةَ ونادى بالحفاظ عليها وناضل في سبيلها. تناولها كخطيب ماهر بنبرته العالية، تارةً منذرًا محذرًا وطورًا ثائرًا أو غاضبًا وذلك من موقعه كنائب في البرلمان اللبناني.

الشبخ إبراهيم المنذرالشيخ عبدالله العلايلي

أسَّسَس المنذر المجمع العلميّ اللبنانيّ وكان عضوًا فيه كما كان عضوًا في المجمع العلميّ العربيّ الذي اعترف للمنذر بدفاعه عن اللّغُة العربيّةَ ضدّ المستعمرين وكان في ذلك رائدًا طليعيّاً: '' وأول من نفخ في بوق هذه النهضة المباركة في لبناننا هو النائب الحرّ الجريء الشَّيخ ابراهيم المنذر.'' وممّا قاله المنذر النائب:''يجب أن تجاري لغتنا اللّغات الحيّةَ فتصير لغة اشتقاق، وإذا ظلّتَ سماعية جافّة )وهي أوسع اللّغُات وأفصحها( عقّهَا بنوها وانصرفوا عنها إلى سواها من لغات الغرب (وقد فعلوا) وكانت عاقبتها الموت المحتّمَ. وفي اعتقادي أنّ فقدان العربيّةَ هو فقدان جوهر الفصاحة والبلاغة، بل هو فقدان شعب حَيٍّ نشيط ذي تاريخ مجيد. واللّغُات التي جارى أربابها روح العصور وَمَشوا بها إلى جانب الحضارة والعمران، اتّسَعت دائرتها وارتقت فروعها وانتشرت آثارها وآدابها وكثُر عارفوها والمتكلّمِون بها''.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيّةًَ مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّ هِا القديم البالي.

أما المنذر الشاعر فلم يحب لغته الأم فحسب بل عَشِقها عشق المتيّمَ الولهان. خاطبها كما أرادها صبيةً مغناجةً تختال بثيابها الجديدة الأنيقة لا كعجوزٍ بزَيّهِا القديم البالي:

لعينيكِ، يا ذاتَ العلاءِ، فمَا لِيَا                           سِواكِ حبيبٌ أفتديه بماليا

لعينيك، يا روح المعاني وَمَصدرَ                    البيان ونورَ المنطِِقِِ المُتلالِيا

لعينيكِ، يا أمَّ اللُّغاتِ، حُشاشَتِي                       وَقُوَّةُ ادراكي، وقومي، وآلِيا

وفي قصيدة أخرى يخاطبها قائلاً:

     بَرَزَتْ  هيفاءَ في شَرْحِ الصِّبَا                       في بَوَادِي العُرْبِ والطََّوْدِ الأشَمِّ

     كُلَّمَا جُنَّ الدُّجى تَطْلُعُ مِنْ                            جَبْهَةِ الآفاقِِ كالبَدْرِ الأتَمِّ

     ومع الفَجْرِ تَجَلَّى نُورُهَا                              كَضِيَاءِ الشََّمس تجْلُو كُلّ هَمِّ

     لُغَةُ الضَّادِ، وقدْ كانت بنَا                             هَدَفًا للمَجدِ، والخيرِ الأعَمِّ

ويعبِّر عن حبه في موضوع آخر:

     لعينيكِ، يا أُختَ الكواكِبِ في السَّمَا      فدى كُلِّ مَن صلَّى وَصَامَ وسَلَّمَا

     لكِ الله، يا أمَّ اللُّغاتِ، فإنَّني أُحِبُكِ        وَحْيًا يَمْلأُ القَلْبَ والفَمَا

     وَأهْوَى لِسَانَ العُرْبِ، والفِتْيَةَ الأُلى      أَحَبُّوا لِسَانَ العُرْبِ حُبًّا مُتيِّمًا

     ويعترف مفاخرًا "إنّها أمي"

     لم يكتفِ المنذر بالخُطب والأشعار بل قضى معظم عمره يدرّس اللغة العربية:

     على منبر التَّدريس في كل معهدٍ                    قضيتُ حياتي هاديًا ومُعلِّمًا

أما الشَّيخ عبد للهّ العلايلي فقد نذر نفسه للّغُة العربيّةَ وكرَّس لها معظم أوقات حياته وأحدث كتابه الصادر سنة ١٩٣٨ ''مقدمة لدرس لغة العرب'' ثورة في عالم اللّغُة. الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللُّغَوِيَّيْن. أحبّ الفن والنقد الأدبي والشِعر ولكنه فضَّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحّاَت مع الإزميل والحجر واستحقَّ ما قاله عنه الكاتب والباحث وفيق غْرَيزي:'' إن اللّغُة العربيّةَ لا بدّ لها من استلهام النهج الذي اختطّهَ العلايلي لها. والمعجم العربي لا محالة صائر إلى ما رسمه له''. وقد تميّزَ العلايلي برفض الجمود كما سعى إلى تهديم الأسوار وبناء الجسور وآمن بالتطوير والتحديث وهو القائل:''لست أؤمن بالأسوار، هذه قاعدة كل تحرُّكٍ عندي، لأن الإيمان بها إيمان بالتحديد والجمود. فسبيل أبناء الحركة أنهم يتطوَّرون، وعذرهم أنهم يحسون بتبعة الحياة''.

الشَّيخ العلايلي لغويٌ قدير وعالم فذّ تميّز بغزارة الإنتاج، والقدرة على التحليل والتنظير اللّغويّين. أحبَّ الفن والنقد الأدبي والشعر ولكنه فضّل العمل اللغويّ المعجميّ فعاش مع الورق والقلم كالنحات مع الازميل والحجر.

اليوم وبعد مرور عشرات السنين على إنذارات وتنبيهات حكمائنا وشعرائنا وفلاسفتنا نقف لنعيِّدَ العيد الأول للُّغة العربيَّة. ولكن ماذا فعلنا؟هل اهتدينا بهديهم؟ هل امتثلنا لنصائحهم؟ وما هي حالُ لغتنا مقارنةً بلغات العالم؟ وهل يُقبل أبناؤنا على تعلُّمها؟ هل تواكب العلوم العصرية؟ لا، هو الجواب الذي يأتينا من الدكتور أحمد شفيق الخطيب رئيس دائرة المعاجم في مكتبة لبنان وعضو مجمع اللّغُة العربيّةَ في القاهرة ودمشق. وقد أعلن أمام مجمع اللّغُة العربيّةَ في دمشق سنة ٢٠٠١ إن المستوى الفنّيِ والعلميّ الذي توصّل إليه العمل المعجمي في لُغات العولمة يُخشى أن يُحوّلِ هذا الوعي لصالح المعاجم الأجنبية التي غدت تنافس المُعجم العربي كمَرجعٍ، تثقيفي بخاصةٍ، على أكثر من مستوًى. وإنّيِ لأتطلّعَ الى معجم عربي بمستوًى لغويّ وفنّي ومعلوماتي بتقانات معجمية مثلاً، (Larousse) أو (oXFord) حديثة يُضاهي معاجم معجمٌ يتواجد في كل بيت، ويُتهادى في كل مناسبة. لقد كنّا السَّباقين، وكان المُعجم العربي سبّاقًا معنا وبنا. وبتخلّفُنا السلجوقي المغولي العثماني والقبَليّ تخلّفَ المُعجم العربي معنا وبنا.''

للأسف لم نسمع المنذر عندما طالب بتهذيب اللّغُة وتنقيتها ولم نطرح ما هو فاسد وغليظ من الألفاظ ولم :''نسُنّ قواعد جديدة توافق روح العصر ونفتح بابًا للاشتقاق نتوصل منه إلى تسمية الأشياء الجارية لدينا في الاستعمال بلغة العرب''.

الفرنسيّون مثلاً يهذّبِون ويعدّلِون باستمرار لجعل لغتهم في مصاف اللّغُات الحيّةَ، التي يجري فيها الحذف والتنقيح والإضافة، تسهيلاً لسُبُلِ تحصيلها وايمانًا منهم بأن الأمّةَ يمكنها أن تحافظ على القديم ولكن عليها أن لا تحطّمِ طموح أبنائها على عتبة الماضي. واللّغُة الحيّةَ والتي لا يمكنها أن تموت، هي التي سمع أبناؤها سؤال جبران خليل جبران في ''البدائع والطرائف ''أتظنون أن الحياة تستر جسدها بالخِرَقِ البالية؟'' ''كما سمِعوه يقول في ''النبي'' ''الحياة لا تقيم في منازل الأمس!''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربي وبهمّةَ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللبنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديمية للّغة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة. نعم أكاديمية يعمل أعضاؤها على ملاحقة قضايا اللّغُة وأصولها وتعابيرها وعلى الاهتمام بوضع المعاجم العصريّة وإعداد وتأهيل المعجميِّين والمعرّبِين والمتخصّصِين في علم المصطلح. علّنا في ذلك نستفيد من إرشادات بعض أساتذة اللّغُة من ذوي الخبرة الطويلة (ومنهم من شارك معنا في تحضير هذا العدد) فننقذ ما يمكن إنقاذه. ولن نفقد الأمل لأنه كما قال المنذر:''ما ماتت لغة في صدور رجالها هممٌ وفي قلوبهم شعور، وفي رؤوسهم أدمغة تفكر في مصير الشعوب ومجاري الأمور.''

اليوم وبعد عقودٍ من الزمن على غياب جبران والمنذر والعلايلي وغيرهم من المفكِّرين الرؤيويين، نجدّدِ الدعوة إلى قيام مجمع لغويّ لبناني ومجمع واحد موحّدِ على مستوى الوطن العربيّ وبهمةَّ وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وندعو المجلس النيابيّ اللّبُنانيّ إلى البحث في تأسيس أكاديميّةَ للّغُة والآداب والفنون على غرار الدول المتقدمة.

هذا العدد من المجلّة التربوية يحتوي على ثلاثة أقسام: في القسم الأول حاولنا تسليط الضؤ على لغويّيَن لبنانيّيَن هما الشَّيخان: ابراهيم المنذر وعبد للهّ العلايلي وعلى بعضٍ من شؤون اللّغُة العربيّةَ.

أما القسم الثاني، فخصَّصناه للشاعر سعيد عقل تحت عنوان ''مبدعٌ من لبنان''. ذلك أن سعيد عقل أدخل الشعر اللبناني والعربي في عالم الحداثة والابتكار وحفظ للبنان موقعًا متميّزًِا في دنيا الشعر والشعراء، إضافة إلى أنه خصَّ لبنان بأجمل القصائد وأروعها.

أمّا الملف التربوي فقد أضأنا فيه على المناهج المطوَّرة لمرحلة الروضة والتي تمرّ الآن بمرحلة تجريبية وعلى مفهوم الكفاية الذي تنطلق (competence) منه المفاهيم والاستراتيجيات التعليمية الجديدة. والجدير بالذكر أن المركز التربوي أصدر سنة ٢٠٠٩ معجم الكفايات باللّغُات الثلاث: عربي/فرنسي/ إنكليزي ووضعه بين أيدي التربويين والمهتمين على مستوى لبنان والعالم العربي.

نتمنى أن يعود هذا العدد بالفائدة على المعلّمِين وسائر التربويين وجميع الناطقين بلغة الضّاد الذين سيحتفلون معنا بتاريخ الأول من آذار من كل سنة، آملين أن يكون قرار المنظمة العربيّةَ للتربية والثقافة والعلوم بمثابة اليقظة الفكرية فنستفيق نحن جميعًا: صانعي القرار، باحثين ومبتكرين، مسؤولين وتربويّين، من ثباتنا العميق ونبدأ ورشة عمل لغويّةَ تعيد لغتنا إلى عصر نهضتها وأيام عزِّها.